أصدرت دار الشروق رواية « أنا ونابليون »، أحدث أعمال الكاتب الجزائري أحمد طيباوي ، التي يعود فيها إلى الجزائر خلال ستينيات القرن التاسع عشر، مستعيدًا مرحلة تاريخية اتسمت بتشابك الصراعات السياسية والاجتماعية تحت وطأة الاحتلال الفرنسي، وتأثير التحولات الكبرى في مصائر الأفراد وحياتهم الخاصة.
تدور أحداث الرواية في مدينة بسكرة، حيث يعيش بطلها «الغازي» مطاردًا بين الحب والثأر والرغبة في النجاة، قبل أن تقوده خيانة إلى الأسر، وتضعه في مواجهة عالم يتجاوز حدود بلدته، تتداخل فيه مصالح الجنود الفرنسيين والمتعاونين المحليين، وتتشابك فيه علاقات القوة والولاء والمقاومة.
ومع انتقاله إلى هذا العالم المضطرب، يجد الغازي نفسه أمام تجارب وأفكار لم يألفها من قبل، خاصة مع ظهور امرأة فرنسية تفتح أمامه نافذة على لغة وثقافة مختلفتين، لتتحول رحلته من محاولة للنجاة من مصير يطارده إلى مواجهة أوسع مع أسئلة الهوية والانتماء، وما يفرضه الاحتلال من تحولات على حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين.
نابليون الثالث في قلب التحولات الجزائرية
تتسع الدائرة التاريخية للأحداث مع استعداد الجزائر لاستقبال الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، الذي ارتبطت زيارته للبلاد في ستينيات القرن التاسع عشر بتصورات بشأن طبيعة العلاقة بين فرنسا والجزائريين، وبمناقشات حول أوضاع الأهالي ومستقبلهم في ظل الحكم الاستعماري.
وفي هذا السياق، ترصد الرواية تقاطع مصالح الضباط الفرنسيين وشيوخ القبائل والمستوطنين، في مشهد تتشابك فيه الحسابات السياسية مع المصالح المحلية، بينما تظل مصائر الشخصيات معلقة بما قد تحمله القرارات الإمبراطورية من تغيرات في موازين القوى.
ولا تكتفي الرواية باستحضار مرحلة تاريخية مضطربة، بل تضع شخصياتها في قلب التحولات التي شهدتها الجزائر، لتكشف كيف يمكن للقرارات السياسية والصراعات الاستعمارية أن تتجاوز المجال العام، وتعيد تشكيل الحياة اليومية للأفراد، وعلاقاتهم ومواقفهم الأخلاقية.
الحب والحرية والولاء.. الإنسان في مواجهة التاريخ
على المستوى الإنساني، تتحرك «أنا ونابليون» بين حب مهدد، وصداقات غير متوقعة، وصراعات تفرض على بطلها إعادة النظر في خياراته ومواقفه.
ويصبح الغازي، الذي تبدأ حكايته من تجربة شخصية تتصل بالثأر والنجاة، جزءًا من لحظة تاريخية أوسع تتجاوز قدرته على التحكم في مسارها.
ومن خلال هذا التداخل بين الحكاية الفردية والسياق التاريخي، تطرح الرواية أسئلة عن الحرية والولاء، وعن قدرة الإنسان على الاحتفاظ باختياراته حين يجد نفسه محاصرًا بين عالمين وثقافتين وقوى متعارضة. كما تفتح مساحة للتأمل في العلاقات التي تنشأ في ظل الاحتلال، وما تحمله من تناقضات بين المصلحة والخوف والتعاطف والرغبة في التحرر.
أحمد طيباوي بين الإبدع والإكاديميا
أحمد طيباوي؛ روائي جزائري وأستاذ محاضر في إدارة الأعمال، صدرت له عدة روايات وهي: اختفاء السيد لا أحد، موت ناعم، مذكرات من وطن آخر، المقام العالي، البياض المتهم بالبراءة، باب الوادي، ومجموعة قصصية "وجه على الحافة"، وفيها يقارب الكاتب كل قصة على نحو خاص، من الأعمى الذي أبصر إلى أبعد من مجال النور، وصولا إلى سيجارة الاعتراف التي تشبه ضميرا يحترق، ونجده يسلك بنا في كل مرة طريقا مختلفا لنعيش الحالة، ويخترع لأبطاله مصيرا غير متوقع أحيانا، كأن الحياة لعبة احتمالات، إذ تلتهمهم الحوافّ، وهم يقفون على أعتاب النهايات.
حصد أحمد طيباوي عدة جوائز ومنها: جائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب (علي معاشي) عن رواية "المقام العالي" 2011، جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي عن روايته "موت ناعم" 2014، فضلا عن جائزة نجيب محفوظ للأدب لعام 2021 عن روايته "اختفاء السيد لا أحد".


التعليقات