حذر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية من خطورة تداول الشائعات والاتهامات المتعلقة بالأعراض، مؤكدًا أن الكلمة أو المنشور الذي يتضمن اتهامًا دون بينة قد يتحول إلى أداة للإساءة والوصم، وقد يمتد أثره إلى تهديد استقرار الأسر والسلم المجتمعي.
وجاء ذلك تعليقًا على الواقعة التي شغلت الرأي العام خلال الساعات الماضية، والتي بدأت ببلاغ عن تغيب فتاة من مركز الصف قبل العثور عليها وعودتها إلى أسرتها، ثم وفاتها على يد شقيقها بحجة الدفاع عن الشرف فيما تواصل النيابة المختصة تحقيقاتها للوقوف على ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات القانونية.
مركز الأزهر للفتوى يحذر من الشائعات بعد واقعة فتاة الصف: القتل بزعم «الشرف» جريمة
ونشر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» رسالة أكد خلالها أن الشائعات تُكَدِّرُ الصفو العام و السلم المجتمعي ، مشددًا على أن القتل بزعم الحفاظ على الشرف جريمة، وأنه لا يجوز لأي شخص أن يستوفي العقوبة بنفسه خارج إطار القانون، مهما كانت صلته بمن يعتقد أنه ارتكب خطأ.
وأكد المركز أن صيانة الأعراض من المقاصد العظيمة للشريعة الإسلامية ، ولذلك شدد الإسلام في أمر اتهام الناس في أعراضهم، ولم يجعل الظنون أو الشكوك أو الشائعات مسوغًا للإدانة، مستشهدًا بقول الله تعالى: «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون» [النور: 4]، وقوله سبحانه: «إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم» [النور: 23].
حرمة الدماء من أعظم الحرمات في الإسلام
وشدد مركز الأزهر للفتوى على أن حرمة الدماء من أعظم الحرمات في الإسلام، ولا يجوز إزهاق النفس التي كرمها الله، كما لا يجوز اتخاذ الغيرة أو مفهوم الشرف مبررًا لجريمة القتل، موضحًا أن الأعراض لا تصان بالاعتداء، وأن الشكوك لا تبيح الدماء، ولا تقام الأحكام والحدود بمجرد الدعاوى.
واستشهد المركز بقول الله تعالى: «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق» [الإسراء: 33]، مؤكدًا أن التحقق من الاتهامات والفصل فيها من اختصاص الجهات المعنية، وليس الأفراد.
وأوضح أن ما قد يقع فيه شخص من خطأ لا يمنح الأفراد، حتى لو كانوا من أقربائه، حق استيفاء العقوبة بأنفسهم، قائلًا إن الأمر يجب أن يرفع إلى الجهات المختصة لتتولى التحقق والفصل فيه وفق أحكام الشرع والقانون، ولا يجوز لأحد أن ينصب نفسه قاضيًا ومنفذًا للعقوبة في الوقت ذاته.
معالجة الخطأ لا تكون بارتكاب خطأ أعظم منه
وأشار مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية إلى أنه حتى في حال ثبوت وقوع خطأ بالفعل، فإن معالجة الخطأ لا تكون بارتكاب خطأ أعظم منه، كإزهاق الروح وقتل النفس، وإنما يكون التعامل بما يحقق الإصلاح ويعيد المخطئ إلى الطريق الصحيح.
وأكد أن مسؤولية الأسرة تتمثل في التربية والمتابعة وحسن التنشئة وتقويم السلوك، ومعالجة أسباب الانحراف بالحكمة والنصح والإرشاد، والاستعانة بأهل الاختصاص عند الحاجة، بما يسهم في حماية الأسرة والمجتمع من تكرار الأخطاء وآثارها.
الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في سرعة انتشار الأخبار غير الموثقة
وتطرق المركز إلى الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في سرعة انتشار الأخبار غير الموثقة، محذرًا من أن الشائعات المتعلقة بالأعراض قد تتحول عبر التفاعل الإلكتروني إلى أحكام مسبقة، فيصبح المتهم مدانًا قبل انتهاء التحقيقات، وقد ينظر إلى مرتكب الجريمة على أنه صاحب مروءة أو مدافع عن الشرف.
وحذر من أن الهمز واللمز والخوض في الأعراض وما يصاحبه من وصم وتنمر وتحريض قد يؤدي إلى ضغوط شديدة على الأسرة وأفرادها، وقد يكون سببًا في ارتكاب جرائم أشد، مستشهدًا بقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم» [الحجرات: 12].
وأكد المركز أن الاتهام بغير بينة لا يمثل مجرد كلمة عابرة، وإنما قد يكون تشويهًا للسمعة وقدحًا في العدالة وطعنًا في الكرامة وإلحاقًا للأذى بالمتهم وأسرته، مشيرًا إلى أن بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي قد يشاركون في ذلك من خلال التعليق أو الإعجاب أو إعادة النشر، رغم خطورة ما يتداولونه.
واستشهد في هذا السياق بقول الله تعالى: «إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم» [النور: 15].
الأزهر يحذر من تمجيد مرتكب الجريمة أو الإشادة بما فعله أو تصويره باعتباره بطلًا أو مدافعًا عن الشرف
وحذر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية كذلك من تمجيد مرتكب الجريمة أو الإشادة بما فعله أو تصويره باعتباره بطلًا أو مدافعًا عن الشرف، مؤكدًا أن تبرير الجريمة والثناء على مرتكبها يمثل إعانة على المنكر، وقد يشجع آخرين على ارتكاب جرائم مماثلة.
واستشهد المركز بقول الله تعالى: «وكنا نخوض مع الخائضين» [المدثر: 45]، وقوله سبحانه: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» [المائدة: 2].
عدم الخوض في الأعراض أو تداول الأخبار غير الموثقة
وفي ختام رسالته، دعا المركز إلى عدم الخوض في الأعراض أو تداول الأخبار غير الموثقة، وحث المسلم على إحسان الظن وعدم الحديث فيما لا علم له به، مؤكدًا أن ليس كل ما يسمع ينقل، وليس كل ما يتداول يصدق، وليس كل ما يعلم ينشر، وذلك حفظًا للأعراض وصونًا للمجتمع ومنعًا للكلمة من أن تتحول إلى سبب في الظلم أو الاعتداء.
واستشهد المركز بقول الله تعالى: «لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين» [النور: 12]، وقوله سبحانه: «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة» [النور: 19]، كما استشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وحديثه صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم».


التعليقات