بينما تضع جماعة الإخوان الإرهابية في أدبياتها «الصدق» و«تحري الحق» و«استقامة اللسان» ضمن منظومة القيم التي تقدمها لأعضائها، تكشف ممارسات قنوات ومنصات الجماعة الإرهابية عن مفارقة صارخة بين ما تقوله الجماعة عن نفسها وما تنتهجه في خطابها الإعلامي؛ إذ تحولت الشائعة، واجتزاء الوقائع، وتضخيم الأزمات، وتزييف الصور والفيديوهات إلى أدوات حاضرة في حملات تستهدف استقرار الدول وتسعى إلى ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده وصناعة الفزع والتشكيك في نفوس المواطنين.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند العودة إلى مادة أخرى منشورة عبر منصات الجماعة الإرهابية بعنوان «من آفات اللسان»، تناولت الغيبة والنميمة والجدال، والخوض في الباطل، لكن الانتقال من هذه النصوص إلى واقع الخطاب الإعلامي الذي تقدمه تلك اللجان والقنوات المحسوبة على التنظيم من خلال نشر روايات مضللة واجتزاء المعلومات وإعادة تدوير الشائعات.
الشائعة.. سلاح في معركة الوعي
ولم تعد الشائعة بالنسبة إلى التنظيم مجرد خبر مجهول المصدر، وإنما تحولت إلى أداة سياسية وإعلامية لصناعة حالة من الشك والارتباك بالمعلومات فيما يخص ملفات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، عبر اقتطاع وقائع حقيقية من سياقها، أو استخدام صور وفيديوهات خارج سياقها، ثم إعادة نشرها بصورة متكررة حتى تبدو وكأنها حقيقة.
عمرو عبد الحافظ: الممارسة تفضح حقيقة الخطاب
ويضع عمرو عبد الحافظ، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، التناقض بين أدبيات الجماعة وممارساتها في إطار أوسع، موضحًا أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمواقف السياسية، وإنما تمتد إلى طبيعة الخطاب الذي تستخدمه الجماعة في التعامل مع خصومها والمنشقين عنها.
وشدد أن الجماعة الإرهابية طالما قدمت نفسها باعتبارها صاحبة مشروع أخلاقي وديني، بينما تكشف ممارساتها عن توظيف مختلف تمامًا لهذه الشعارات عندما يتعلق الأمر بالصراع السياسي والتنظيمي، منوها بأن الجماعة اعتمدت على مدار تاريخها في مواجهة خصومها والمنشقين عنها على التشويه والاتهامات وإطلاق الشائعات، باعتبارها أدوات لضرب صورة الطرف الآخر بدلًا من مناقشة أفكاره أو الرد على مواقفه.
ويشير عبد الحافظ إلى أن الجماعة اعتمدت، على التشويه والاتهامات والشائعات في مواجهة أصحاب المراجعات والمنشقين، موضحًا أن قيادات التنظيم لجأت إلى نشر روايات واتهامات تستهدف إسقاط المصداقية عن أصحاب المراجعات واغتيالهم معنويًا، بدلًا من مناقشة ما طرحوه من أفكار.
ويرى الباحث أن هذه الممارسات تكشف الفارق بين القيم التي تتحدث عنها الأدبيات وبين السلوك عند احتدام الخلاف، خاصة أن أدبيات الجماعة تتحدث عن الإخلاص والصدق والثبات والتجرد والأخوة، بينما يتحول الخطاب تجاه الخصوم إلى وسيلة للتخوين والتشويه وإسقاط المصداقية.
وفي قراءة أخرى لطبيعة خطاب الجماعة، يوضح "عبد الحافظ" أن الإخوان قدمت نفسها تاريخيًا باعتبارها ممثلًا حقيقيًا للإسلام، وهو ما أدى، إلى الخلط بين الانتماء إلى الدين والانتماء إلى التنظيم، فضلًا عن توظيف النصوص الدينية بصورة انتقائية بما يخدم الموقف التنظيمي والسياسي.
ويؤكد أن الحكم على أي مراجعة فكرية أو خطاب معلن لا ينبغي أن يتوقف عند البيانات والكتب، وإنما يجب أن يُقاس بالمواقف والممارسات الفعلية، معتبرًا أن استمرار الممارسات التي تناقض المراجعات المعلنة يكشف حدود تأثيرها الحقيقي.
ويرى الباحث أن هذه الممارسات تطرح سؤالًا أساسيًا حول الفارق بين الأدبيات التي تضعها الجماعة لأعضائها وبين السلوك الذي يظهر عند احتدام الخلاف، خاصة أن أدبيات حسن البنا تتحدث عن قيم مثل الإخلاص والصدق والثبات والتجرد والأخوة، بينما يتحول الخطاب تجاه الخصوم والمنشقين في أوقات الصراع إلى وسيلة للتخوين والتشويه وإسقاط المصداقية.
ويضيف أن خطورة الأمر لا تتوقف عند حدود الخلاف الداخلي، وإنما تمتد إلى المجال الإعلامي، حيث يمكن إعادة إنتاج الرواية نفسها عبر منصات متعددة، وتقديم معلومات مجتزأة أو روايات غير دقيقة بصورة متكررة، بما يمنحها مع التكرار مظهرًا زائفًا من المصداقية. ويؤكد أن هذا النوع من الخطاب لا يستهدف فقط تقديم موقف سياسي مختلف، وإنما يسعى إلى التأثير في وعي الجمهور وصناعة حالة من الشك والإحباط تجاه مؤسسات الدولة والمجتمع.
وبحسب هذا الطرح، فإن معيار الحكم على أي جماعة أو تنظيم لا ينبغي أن يتوقف عند ما تكتبه في أدبياتها أو ما تقوله في بياناتها، وإنما يجب أن يمتد إلى ما تمارسه فعليًا عند الاختلاف والصراع؛ فالقيم التي تتحول إلى شعارات منفصلة عن السلوك تفقد معناها، بينما تكشف الممارسة اليومية حقيقة الخطاب أكثر مما تكشفه البيانات والكتب.
إبراهيم ربيع: الإخوان طورت أدواتها الإعلامية لمواكبة العصر
ويرى إبراهيم ربيع، الباحث والكاتب في شؤون الجماعات المتطرفة، أن الإعلام يمثل أحد الأذرع الأساسية في منظومة عمل جماعة الإخوان، الإرهابية موضحًا أن التنظيم، منذ تأسيسه، اعتمد على مجموعة من الأدوات المتكاملة التي تخدم أهدافه السياسية والتنظيمية.
ويقول ربيع إن التنظيم تأسس عام 1928 مرتكزًا على أجنحة متعددة، من بينها الجناح الدعوي والإعلامي والاقتصادي والعسكري، موضحًا أن «الجناح الدعوي يمثل الواجهة الودية للتغلغل الاجتماعي، بينما يتولى الجناح العسكري مهمة الترهيب، فيما يدير الجناح الاقتصادي مصادر التمويل، ويتكامل ذلك مع الدور الإعلامي القائم على توجيه الرسائل وتشويه الواقع».
ويلفت الباحث إلى أن الآلة الإعلامية للجماعة تطورت مع تطور وسائل الاتصال، قائلًا إن التنظيم بدأ في أربعينيات القرن الماضي بالمنشورات الورقية والخطب، ثم انتقل إلى القنوات الفضائية، وصولًا إلى المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ويضيف أن الجماعة وظفت الخطاب الديني على مدار تاريخها للتأثير في المجتمع، معتبرًا أن ذلك تزامن مع استخدام الشائعات وإثارة الانقسام، فيما حاول التنظيم تقديم نفسه في مراحل مختلفة باعتباره جماعة دينية أو تيارًا سياسيًا.
«صناعة الأزمات».. من استغلال الحدث إلى تضخيمه
ويكشف إبراهيم ربيع عن آلية أخرى يقول إن التنظيم يعتمد عليها في التعامل مع الأحداث، تتمثل في وجود لجان متخصصة تهتم بـ«صناعة الأحداث وتوظيفها» و«صناعة الأزمات وتوظيفها».
ويشرح أن هذه اللجان، بحسب رؤيته، تعمل على استغلال أي حدث محلي وتزييفه، وفي حال عدم وجود أزمة واضحة يتم البحث عن مشكلة قابلة للتضخيم وتحويلها إلى قضية، بهدف نشر مشاعر الإحباط واليأس والتذمر بين المواطنين.
ويؤكد ربيع أن الهدف النهائي من هذه الحملات لا يرتبط بالخبر في حد ذاته، وإنما بتأثيره على وعي المواطن، قائلًا إن التنظيم يسعى إلى «زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة» وتحويل المشكلات الجزئية إلى صورة شاملة عن الواقع.
ويشير الباحث، إلى أن الحملات الرقمية تستهدف فئات عمرية مختلفة، لافتًا إلى التركيز بصورة خاصة على الشباب والطلاب، باعتبارهم أكثر تعرضًا للمحتوى الرقمي.


التعليقات