في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالتمثيل، وتتحول فيه السلطة إلى عرض دائم، ويصبح الإنسان متفرجًا على الأحداث التي تحدد مصيره، يأخذنا المخرج المكسيكي أليخاندرو جونزاليس إيناريتو في فيلمه "ديجر" ، بطولة توم كروز، إلى تجربة سينمائية تضعنا أمام سؤال يتجاوز حكاية الفيلم، هل نعيش في عالم حقيقي، أم في مسرح كبير يكتب فيه أصحاب السلطة والمال أدوار الآخرين، ويتحكمون في مصائرهم، بينما يجلس الجميع لمشاهدة العرض؟
تلك الفكرة التي تستدعي مقولة شكسبير الشهيرة بأن العالم مسرح، وأن الناس ممثلون فوق خشبته، تتحول عند إيناريتو إلى بناء سينمائي تتعدد فيه مستويات الحكاية، وتتبادل الشخصيات مواقعها بين الواقع والتمثيل، حتى يصبح المشاهد نفسه طرفًا في لعبة تتصل بطبيعة الحقيقة، وبقدرتنا على اكتشاف ما يجري وراء الصور التي تُقدم إلينا.
يبدأ الفيلم بحكاية ديجر روكويل، أحد أباطرة النفط، الذي يمتلك ثروة هائلة ونفوذًا يسمح له بالتأثير في القرارات السياسية والاقتصادية، وحين تقود عمليات التنقيب إلى كارثة بيئية تهدد العالم، تبدأ محاولات احتواء نتائجها، وتظهر العلاقات المعقدة بين رأس المال والسلطة والعلم، وكيف يمكن تجاهل التحذيرات العلمية حين تتعارض مع المصالح.
لكن إيناريتو يفاجئنا بتحول يغير طبيعة الحكاية، فالكاميرا التي كانت تنقل إلينا الأحداث باعتبارها واقعًا، تنسحب لتكشف أننا أمام عرض مسرحي، وأن ديجر الذي يؤديه توم كروز شخصية يجسدها ممثل يدعى كيرتس ماركسون، في مسرحية تستعيد كارثة وقعت قبل سنوات طويلة.. وهنا تبدأ القراءة الحقيقية للفيلم.
لا يستخدم إيناريتو المسرح مجرد حيلة درامية لمفاجأة المتفرج، وإنما يجعله أساسًا لفهم العالم الذي تدور فيه الأحداث، فكل شخصية تؤدي دورًا، وتحاول فرض صورتها على الآخرين.
رجل الأعمال يقدم نفسه باعتباره صاحب رؤية لإنقاذ البشرية، رغم مسؤوليته عن الكارثة، والرئيس الأمريكي يمارس السلطة من خلال خطاب يكشف عجزه وارتباكه، بينما تتحول المؤسسات السياسية إلى مساحة للاستعراض والصراع على النفوذ.
وفي قلب هذا كله، تصبح اللغة أداة لصناعة الواقع، أو بالأحرى لصناعة الصورة التي ينبغي أن يراها الناس، فالكارثة يمكن إعادة تسميتها، والمسؤولية يمكن توزيعها، والخطأ يمكن تقديمه باعتباره تضحية من أجل المصلحة العامة.
ولعل مشهد خطاب ديجر أمام الأوروبيين يمثل ذروة هذا التصور، حين يحاول نقل المسؤولية إلى المجتمع الذي يستهلك النفط ومنتجاته، فيتحول المتسبب في الكارثة إلى من يحاكم الآخرين على مشاركتهم في صناعتها.
إننا هنا أمام عالم لا يكتفي فيه أصحاب النفوذ بصناعة الأحداث، وإنما يسعون أيضًا إلى امتلاك تفسيرها.
من يتحكم في الحكاية؟
تكتسب فكرة المسرح داخل الفيلم أهمية أخرى حين ننتقل إلى الكواليس، حيث تدور خلافات بين الممثل كيرتس ومخرجة العرض حول الطريقة التي ينبغي تقديم ديجر بها، فالممثل يرى أن تحويل الشخصية إلى نموذج كاريكاتيري يختزل حقيقتها، ويجعل السخرية بديلًا عن الفهم، أما العرض فيمضي في تقديم شخصياته بمبالغات مقصودة تكشف عبث السلطة.
هذا الصراع، في تقديري، من أكثر مستويات الفيلم ثراءً، لأنه ينقل السؤال من طبيعة العالم إلى طبيعة الفن نفسه، هل تكفي السخرية لفضح الحقيقة؟ وهل يؤدي تحويل أصحاب السلطة إلى شخصيات مضحكة إلى فهم أعمق لأفعالهم، أم يمنح الجمهور فرصة للضحك عليهم دون مواجهة النتائج التي تركوها؟
والمفارقة أن "كيني" أحد الممولين الرئيسيين للعرض، تربطه صلة قرابة بديجر الحقيقي، وهكذا يمتد حضور المال والنفوذ إلى المسرح الذي يسعى إلى نقدهما، وإن كان دافع التمويل هذه المرة مرتبطًا بمحاولة مواجهة الإرث المأساوي للعائلة.
إنها دائرة معقدة، يصبح فيها إنتاج الحكاية وإعادة تمثيلها جزءًا من الصراع حول معناها.
توم كروز.. البطل الذي يصنع الكارثة
من أهم اختيارات إيناريتو إسناد هذه الشخصية إلى توم كروز، الذي ارتبط طويلًا في الوعي السينمائي بصورة البطل القادر على مواجهة المستحيل وإنقاذ العالم.
في "ديجر" تنقلب الصورة، فالرجل الذي ينتظر الآخرون منه الإنقاذ هو أحد المسؤولين عن الخطر، والشخصية التي تتحدث بثقة مطلقة عن المستقبل تعجز عن مواجهة نتائج قراراتها.
يقدم توم كروز أداءً قائمًا على المبالغة في الحركة والانفعال وطريقة الكلام، وهو اختيار يجد تفسيره داخل الطبيعة المسرحية للفيلم، ومع ذلك، فإن هذه المبالغة لا تحقق تأثيرها بالدرجة نفسها في جميع المشاهد، إذ تتحول أحيانًا إلى استعراض يطغى على تعقيد الشخصية.
عندما يخرج الجمهور من المسرح
تصل الفكرة إلى اكتمالها في النهاية، حين ينتهي العرض المسرحي وسط التصفيق، ويستعد الجمهور لمغادرة القاعة، ليجد نفسه أمام عالم لا تزال الكارثة تتحكم في تفاصيله.
تبدو هذه اللحظة أهم من كل ما سبقها، لأن المسرح استطاع استعادة المأساة والسخرية من صانعيها، لكنه لم يستطع تغيير العالم الذي أنتجها، وهنا يتجاوز الفيلم قضية البيئة إلى سؤال عن علاقتنا المعاصرة بالواقع، فنحن نشاهد الحروب والكوارث والأزمات عبر الشاشات، ونغضب ونتعاطف ونسخر، ثم ننتقل إلى أحداث أخرى، بينما تظل الأسباب التي صنعت تلك المآسي قائمة.
وربما تكون هذه هي المعضلة التي يضعنا إيناريتو أمامها، لقد أصبح الإنسان قادرًا على مشاهدة العالم أكثر من قدرته على التأثير فيه.
غير أن اختزال الفيلم في عجز الفن عن التغيير سيكون حكمًا متعجلًا، فالفن قد لا يوقف الكارثة، لكنه يستطيع مساءلة الرواية التي تقدمها السلطة عنها، وكشف ما تخفيه الخطابات الرسمية وراء الكلمات والصور.
وهنا تكمن قيمة "ديجر"، فهو يجعلنا نعيد النظر في موقعنا من العرض، وفي مسؤوليتنا عما يجري خارجه.
العالم مسرح كبير، لكن المأساة أن بعض الناس يمتلكون حق كتابة الأدوار وتوزيعها، بينما يُترك للآخرين أن يعيشوا نتائجها. وقد نستطيع مغادرة المسرح حين ينتهي العرض، لكننا لا نستطيع مغادرة العالم الذي صنعناه، أو سمحنا للآخرين بصناعته نيابة عنا.


التعليقات