هنا في قلب المدينة القديمة تقف المباني التاريخية شاهدة على حياة مزدهرة كانت يوما ما في مدينة نقادة جنوب قنا، فلم تكن هذه المباني مجرد جدران وسقف، بل كانت ولا تزال حكايات متعددة تروى للأجيال، وستظل كذلك لسنوات طويلة إذا وجد من يوثقها، لتظهر ملامح العمارة التقليدية في كثير من هذه المباني، فهي تتكون من الطوب اللبن والأخشاب، بما يمكنها من تحمل حرارة الصيف وبرودة الشتاء.
تحمل بعض المباني طابعا معماريا أوروبيا انتقل إلى المدينة، بينما يغلب على الكثير منها الطابع القبطي والإسلامي، إلى جانب امتدادات معمارية مستوحاة من الحضارة الفرعونية، فتظهر الأشكال الهندسية والأسقف العالية التي تعكس الذوق الرفيع لأصحاب هذه المباني، ورغم الزحف العمراني، ما زال العديد من الملاك يحافظون عليها باعتبارها جزءا من الهوية.
مباني تعبر عن الهوية المحلية
قال الدكتور عصام حشمت، أستاذ ترميم الآثار ووكيل كلية آثار قنا، إن مركز ومدينة نقادة بمحافظة قنا يضم مجموعة من المباني التاريخية ذات القيمة، والتي تمثل نوعين من طرز البناء، النوع الأول يعبر عن الهوية المحلية، ويتمثل في العمارة التراثية التقليدية التي سادت في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين خلال فترة الحكم العثماني، واستمرت مع بعض التغيرات الطفيفة مع مرور الزمن، أما النوع الثاني فيمثل طرز العمارة الوافدة، مثل الطرازين الإيطالي والإنجليزي، اللذين انتشرا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وأوضح حشمت، أن هذه المباني تمتلك مجموعة من القيم الثقافية المتنوعة، منها القيمة التاريخية التي تعكس المرحلة الزمنية التي تنتمي إليها، باعتبارها حلقة وصل بين الماضي والحاضر، كما تظهر هذه القيمة في بعض المباني التي تحمل على أعتابها عبارات وحكما وآيات قرآنية ونصوصا من الكتاب المقدس، بالإضافة إلى تواريخ التأسيس والتجديد.
حلقة وصل بين أساليب البناء
وأضاف أستاذ ترميم الآثار، أن القيم المعمارية لهذه المباني تكمن في كونها تمثل حلقة وصل بين أساليب البناء في أواخر العصر العثماني والعصر الحديث، بينما تتمثل القيمة الجمالية في العناصر الزخرفية، سواء تلك المتأثرة بالعمارة التقليدية مثل المشربيات والشبابيك والبلكونات الخشبية والمعدنية، أو تلك المتأثرة بالعمارة الأوروبية.
وأكد أستاذ ترميم الآثار، أن أهمية هذه المباني تظهر في تفاعلها مع عدة جوانب، منها الجوانب البيئية، حيث يتم توجيه المباني إلى الداخل حول فناء، مع تقليل الفتحات الخارجية وتغطيتها بالمشربيات لتحقيق الخصوصية، وحماية الفناء بجدران تقلل من تأثير أشعة الشمس، كما تقل نسبة الفراغات الخارجية مثل الشوارع مقارنة بالفراغات الداخلية كالمنازل، ويتم استخدام الملاقف والشخشيخة للتهوية.
وأشار عصام حشمت، إلى أنه ليس كل ما هو قديم يصلح للتقليد في العصر الحديث، فمثلا لم تعد عروض الشوارع القديمة مناسبة مع تطور وسائل النقل، كما أن التوسع الأفقي لم يعد حلا اقتصاديا في ظل ارتفاع أسعار الأراضي، لكن يظل التفاعل مع البيئة هو العنصر الأهم.
كما تناول الجوانب الاجتماعية والثقافية، موضحا أن المباني القديمة كانت تعكس نمط الحياة والقيم الدينية والاجتماعية والبيئة المحيطة، ورغم التشابه في بعض عناصر العمارة التراثية نتيجة تقارب الظروف، فإن لكل منطقة خصوصيتها التي تميزها.
وتابع وكيل كلية الآثار، أن تحقيق الراحة والخصوصية والأمان كان من أهم أهداف تصميم هذه البيوت، إلى جانب تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، مما جعل البيت التقليدي يحمل قيمة اجتماعية وحضارية، ويعبر عن هوية ساكنيه، ولم يعد مجرد مأوى، بل أصبح فضاء لتطوير الأفكار والطموحات.
ولفت، إلى الجانب الديني، مؤكدا أن له تأثيرا كبيرا في تصميم المباني التراثية، خاصة المنازل، حيث ساهم في تشكيل العديد من الخصائص المعمارية، وأبرز الهوية المصرية.
وأشار الدكتور عصام حشمت، إلى أن مدينة نقادة تزخر بالعديد من الصناعات والحرف التقليدية التي تميزها، مثل صناعة الفركة (وهي شال من الحرير ينسج يدويا)، وصناعة الأثاث من جريد النخيل، وصناعة الحصير من نبات الحلف، إلى جانب المنسوجات والسجاد اليدوي، وصناعة الفخار والخزف المستخدم في الحياة اليومية.









التعليقات