تستقطب العاصمة الهندية نيودلهي أنظار العالم باستضافتها أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع البريكس، التي تجمع قادة الدول الأعضاء وشركاءها في منصة دولية رفيعة، تتجاوز حدود التشاور السياسي إلى رسم ملامح نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا وعدالةً وشمولًا، وتترجم هذه القمة إرادة جماعيةً لتعزيز التعاون متعدد الأطراف، وبناء شراكات استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات الدولية، وترسيخ أسس التنمية المستدامة بما يخدم مصالح الشعوب ويحقق تطلعاتها نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا، ومنذ انطلاق هذا التكتل عام 2009 بعضوية البرازيل وروسيا والهند والصين، ثم انضمام جنوب أفريقيا إليه، واصل البريكس مسيرته بوصفه أحد أبرز التكتلات الاقتصادية الصاعدة، حتى أصبح اليوم إطارًا دوليًا متناميًا يستقطب مزيدًا من الدول ذات الاقتصادات الواعدة، بما يعزز ثقله السياسي والاقتصادي، ويوسع نطاق تأثيره في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي، ويؤسس لشراكات أكثر تنوعًا واستدامة.
ويعكس هذا التوسع المتسارع إيمانًا متزايدًا بأهمية التعاون الدولي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن سياسات الهيمنة والاستقطاب، بما يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز التجارة والاستثمار، ودعم جهود التنمية، وتقليص الفجوات التنموية بين الدول، كما يؤكد أن الحوار والتكامل الاقتصادي أصبحا السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات العالمية، وترسيخ الأمن والاستقرار، وإعلاء قيم التعايش والتسامح والتعاون بين الشعوب، استلهامًا للمبادئ الإنسانية الرفيعة التي دعت إليها الرسالات السماوية، وصولًا إلى عالم أكثر أمنًا وعدلًا ورخاءً، يسوده السلام وتتكامل فيه المصالح وتتحد فيه الجهود من أجل مستقبل مشترك للبشرية جمعاء. تطرح هذه القمة المهمة أفقًا رحبًا لتبادل الخبرات وتوسيع أطر التعاون البناء لتشمل مجالات التجارة والاستثمار والتقنية الحديثة والاقتصاد الأخضر، مع التركيز المكثف على تطوير البنى التحتية وتدشين صناديق استثمارية كبرى تسهم بقوة في تعضيد أطر التعاون المالي، وتحسين طرائق التبادل المصرفي والحد من الإجراءات الجمركية المعقدة بين الدول الأعضاء، مما يؤسس لشراكات اقتصادية مستدامة تعظم حجم المنافع المتبادلة وتحمي المصالح الاستراتيجية المشتركة لبلوغ مرحلة متقدمة من النهضة والازدهار الاقتصادي والسياسي، لتعزيز الرصيد الخبراتي للقطاعات الخدمية والثقافية والتعليمية والزراعية والصناعية لتمثل فرصة سانحة لتطوير الآليات التنموية وفتح آفاق واسعة لزيادة معدلات التبادل التجاري وتدفق الاستثمارات المتنوعة عبر الاستفادة القصوى من الأسواق العالمية الأكثر استهلاكًا.
تشارك القيادة السياسية المصرية بفاعلية مؤثرة كبري في هذا الحراك الجيوسياسي، انطلاقًا من رؤية استراتيجية راسخة تؤمن بأن التعاون الدولي واحترام قواعد القانون الدولي يمثلان الركيزة الأساسية لبناء نظام عالمي أكثر استقرارًا وعدالةً وتوازنًا، حيث يواصل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ترسيخ نهج الدبلوماسية المصرية القائمة على الحوار البناء، والتفاوض الرشيد، وتعظيم مساحات التوافق، بعيدًا عن سياسات الصراع والعنف، بما عزز مكانة مصر بوصفها شريكًا موثوقًا وفاعلًا في معالجة القضايا الإقليمية والدولية، ورسخ حضورها المؤثر في مختلف المحافل الدولية.
و حرصت الدولة المصرية انطلاقًا من هذه الرؤية، على توسيع شبكة شراكاتها الدولية، وإبرام في عهده الميمون العديد من الاتفاقيات ومذكرات التعاون التي أسهمت في دعم مسيرة التنمية الشاملة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، ويرتقي بقدرة الاقتصاد الوطني على مواكبة المتغيرات العالمية، كما انعكست هذه الشراكات على تطوير منظومتي التعليم والرعاية الصحية، وتحديث البنية الأساسية، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتهيئة بيئة تنموية أكثر قدرة على تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق تطلعاتهم، وفي موازاة ذلك، تواصل الدولة جهودها لترسيخ مبادئ المواطنة وسيادة القانون، وصون حقوق الإنسان، وتعزيز الحريات المسؤولة المنضبطة في إطار الدستور والقانون، بما يسهم في بناء الإنسان المصري الواعي، القادر على المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية، والمتمسك بقيم الولاء والانتماء لوطنه الغالي محققًا نهضة متكاملة الأركان.
تسعى الدولة المصرية بخطى واثقة لتعظيم الاستفادة من مخرجات هذا التكتل الاقتصادي العالمي بتوجيه جهودها المؤسسية نحو سن القوانين الحديثة وتفعيل التشريعات بآليات واقعية تضمن صحة الاتفاقيات المشتركة وتضفي عليها طابعًا رسميًّا يتسم بالشفافية والمشروعية، لتمر عبر ممثلين معتمدين يتحملون المسؤولية كاملة تليها خطوات المصادقة الرئاسية والبرلمانية الدقيقة وصولًا إلى مرحلة النفاذ الدولي والتنفيذ المحلي المتبادل، مع إرساء إطار دقيق للتقييم النوعي وتوفير متطلبات التنفيذ الشاملة واتخاذ تدابير استباقية تضمن النجاح المرتقب لتلك الشراكات، كما تضع الحكومة المصرية نظمًا علمية للمتابعة الدورية والتقويم المستمر رصدًا للتحديات بغية تذليلها بشكل فوري وتعضيدًا لنقاط القوة سعيًا لتطوير جودة الشراكات المتعددة لتصبح مساهمات دولية فاعلة وذات جدوى اقتصادية مستدامة تتجاوز أية خلافات طارئة قد تنشب مستقبلًا بما يواكب مسار الحدث.
ويتطلع الشعب المصري إلى مستقبلٍ واعد أكثر إشراقًا تزدهر فيه البلاد ، تتعاظم فيه منجزات التنمية المستدامة، وتتوطد أركان العدالة الاجتماعية، ويترسخ الاستقرار السياسي والمجتمعي، في ظل رؤية وطنية طموحة تستهدف بناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة المتغيرات العالمية، وفي ضوء ذلك يأتي انضمام مصر إلى مجموعة البريكس بوصفه خطوة استراتيجيةً فارقة، تعكس المكانة المتنامية للدولة المصرية وثقة القوى الاقتصادية الصاعدة في قدراتها وإمكاناتها التنموية.
ويمثل هذا الانضمام فرصةً تاريخيةً لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري مع أكبر الاقتصادات الناشئة في العالم، وفتح آفاق أرحب أمام تدفق الاستثمارات، وتوسيع الأسواق التصديرية، وتنويع مصادر التمويل، وتخفيف آثار التقلبات الاقتصادية العالمية عبر توسيع نطاق التعامل بالعملات الوطنية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي والمالي، ويدعم جهود الدولة في تنفيذ خططها التنموية الطموحة، كما يعزز من قدرة الاقتصاد المصري على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، ورفع تنافسيته، واستقطاب المزيد من المشروعات النوعية التي تسهم في توفير فرص العمل وتحقيق النمو المستدام.
وتتوج هذه الخطوة الاستراتيجية مسيرةً وطنيةً حافلةً بالإصلاحات الاقتصادية والإنجازات التنموية، لتؤكد أن مصر تمضي بثبات نحو ترسيخ مكانتها مركزًا إقليميًا للتجارة والاستثمار والتنمية، وشريكًا فاعلًا في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي متعدد الأقطاب، كما تعكس الرؤية الثاقبة للقيادة السياسية في استشراف التحولات الدولية، وحسن توظيفها بما يخدم المصالح الوطنية العليا، ويعزز مقومات القوة الشاملة للدولة المصرية، ويحقق تطلعات الشعب نحو مستقبلٍ ينعم بالرخاء والاستقرار والازدهار، ويصون لمصر مكانتها الرائدة بين الأمم.
أ. د مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر


التعليقات