** 53.5 مليار دولار تجارة مصر مع «بريكس».. والصادرات تقفز 45.7% وتمنح الجنيه مساحة أكبر في معادلة التسويات المحلية
** 30 مليار يوان وحساب للروبية.. مصر تبدأ خطوات عملية لتقليل المرور بالدولار في تجارتها مع الصين والهند
** عبد الله أبو سمرة لـ«اليوم السابع»: تغيير عملة الفاتورة لا يلغي الاحتياج للنقد الأجنبي.. والعجز التجاري يضع سقفًا لـ«بريكس بدون دولار»
ماذا لو استطاعت مصر شراء جزء من احتياجاتها من الصين والهند وروسيا دون أن تمر الفاتورة أولًا عبر الدولار؟، سؤال لم يعد مجرد تصور نظري، مع تحرك دول « بريكس » لتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة، وبدء القاهرة بالفعل خطوات في هذا الاتجاه.
وبين مليارات الدولارات من التبادل التجاري واتفاقات المبادلة وفتح أسواق جديدة للصادرات، يضع «اليوم السابع» فكرة «بريكس بدون دولار» تحت الاختبار: ماذا تحقق على الأرض؟ وكم تستطيع مصر تقليل اعتمادها على العملة الأمريكية؟ وما الذي تحتاجه لتوسيع التجربة؟ والأهم.. هل يمكن أن تمتد مكاسبها من أرقام التجارة إلى جيب المواطن؟.
53.5 مليار دولار.. تجارة مصر مع بريكس تكبر
منذ انضمام مصر رسميًا إلى تجمع «بريكس» في يناير 2024، بدأت العلاقات الاقتصادية مع دول التكتل تأخذ مساحة أكبر؛ ووفقًا لبيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ارتفع حجم التجارة من 45 مليار دولار في 2024 إلى 53.5 مليار دولار خلال 2025، بنمو 18.8%.
ووفقًا للوزارة، كانت الصادرات المصرية الأسرع نموًا، بعدما قفزت من 9.451 مليار دولار إلى 13.772 مليار دولار خلال عام واحد، بزيادة 45.7%، مقابل واردات بلغت 39.679 مليار دولار.
وتضع وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية زيادة الصادرات وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية وجذب الاستثمارات وتعميق اندماج الشركات المحلية في سلاسل القيمة العالمية ضمن أهداف الاستفادة من عضوية «بريكس».
وهنا يبدأ الاختبار: إذا تجاوزت تجارة مصر مع دول «بريكس» 53 مليار دولار، فإلى أي مدى يمكن تسوية جزء منها بالعملات المحلية، وتحويل نمو التجارة إلى فرصة لتخفيف الطلب على الدولار؟.

من الدولار إلى العملات المحلية.. الطريق بدأ بالفعل
لم تبدأ مصر رحلة تقليل الاعتماد على الدولار من نقطة الصفر؛ فوفقًا للبنك المركزي المصري، جددت القاهرة وبكين في يونيو 2026 اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني لمدة ثلاث سنوات، مع رفع قيمته من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان، بما يعادل نحو 4.4 مليار دولار.
وبحسب البنك المركزي، يستهدف الاتفاق تسهيل استخدام الجنيه المصري واليوان الصيني في المعاملات الجارية والرأسمالية المسموح بها بين البلدين، ودعم التجارة والاستثمار، بما يقلل الحاجة إلى استخدام عملة ثالثة وسيطة في جزء من المعاملات.
ولا يقتصر المسار على الصين؛ إذ تبحث مصر مع شركاء آخرين داخل «بريكس» توسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة والمدفوعات، بالتزامن مع توجه داخل التكتل نفسه لتعزيز التسويات بالعملات المحلية وربط أنظمة الدفع بين الدول الأعضاء.
وهنا تنتقل «بريكس بدون دولار» من الشعار إلى الحساب: ما حجم التجارة التي تستطيع مصر تسويتها بالعملات المحلية فعلًا؟ وما الذي يجعل التجربة قابلة للتوسع؟
التصدير مفتاح التوسع
لكن توسيع التجارة بالعملات المحلية لا يتوقف على اتفاقات المبادلة وحدها؛ فكلما زادت الصادرات المصرية إلى أسواق «بريكس»، اتسعت قدرة الجنيه على الدخول في دورة التجارة بدلًا من أن يظل الأمر قائمًا على تمويل الواردات فقط.
ووفقًا لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ارتفعت صادرات مصر إلى دول «بريكس» بنسبة 45.7% خلال 2025، لتصل إلى 13.772 مليار دولار، مقابل 9.451 مليار دولار في 2024، وهو نمو يمنح القاهرة مساحة أكبر لتعزيز التجارة المتبادلة وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.
وتكتسب زيادة الصادرات أهمية إضافية في معادلة العملات المحلية؛ إذ لا تتوقف المسألة عند قدرة المستورد المصري على دفع قيمة مشترياته بعملة غير الدولار، وإنما ترتبط أيضًا بوجود طلب لدى الشريك التجاري على السلع والخدمات المصرية، بما يسمح بإعادة استخدام الجنيه في معاملات متبادلة ويزيد من كفاءة آليات التسوية.
ومن هنا تصبح زيادة الصادرات جزءًا أساسيًا من معادلة «بريكس بدون دولار»: فكل دولار إضافي من الصادرات إلى أسواق التكتل لا يعني فقط مبيعات أكبر للمنتج المصري، وإنما يوسع أيضًا المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها التجارة الثنائية بعيدًا عن العملات الوسيطة.
الهند تدخل دائرة التسويات بالعملات المحلية
ولا تتوقف خطوات تقليل الاعتماد على العملات الوسيطة عند الصين؛ فوفقًا للسفارة الهندية في القاهرة، دخل «الحساب الخاص بالروبية الهندية» بين بنك الدولة الهندي وبنك مصر حيز التشغيل في يونيو 2026، بعد موافقة البنك المركزي المصري، بهدف تسهيل التجارة الثنائية وخفض تكاليف المعاملات وزيادة كفاءة التسويات عبر الحدود.
ويأتي تشغيل الحساب بالتوازي مع مساعٍ لتوسيع التجارة بين البلدين؛ فوفقًا لوزارة الخارجية المصرية، تستهدف مصر رفع حجم التبادل التجاري مع الهند إلى 12 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويتسق المسار المصري الهندي مع تحرك أوسع داخل «بريكس»؛ فوفقًا لوزارة التجارة والصناعة الهندية، دعا الوزير بيوش جويال، خلال منتدى أعمال «بريكس» في نيودلهي يوم 11 سبتمبر 2026، الدول الأعضاء والشريكة إلى ربط أنظمة المدفوعات وتعزيز التجارة بالعملات المحلية.
وبذلك، أصبح أمام مصر مساران عمليان يمكن البناء عليهما: مبادلة الجنيه واليوان مع الصين، وحساب الروبية مع الهند، بما يفتح الباب أمام توسيع الجزء من التجارة الذي يمكن تسويته دون الحاجة إلى عملة وسيطة.
بالأرقام.. ماذا لو توسعت التسويات بالعملات المحلية؟
ولقياس حجم المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها التجارة بعيدًا عن التسوية المباشرة بالدولار، أجرى «اليوم السابع» حسابًا استرشاديًا على واردات مصر من دول «بريكس» خلال 2025، والبالغة 39.679 مليار دولار، عبر ثلاثة سيناريوهات افتراضية لتسوية 10% و25% و50% من قيمتها بالعملات المحلية.
وتظهر الحسابات أن قيمة المعاملات التي تنتقل إلى التسوية بالعملات المحلية تبلغ نحو 3.968 مليار دولار في سيناريو 10%، وترتفع إلى 9.920 مليار دولار عند 25%، وتصل إلى نحو 19.840 مليار دولار عند 50%.
لكن هذه القيم لا تمثل «دولارات وفرتها مصر»؛ وإنما قيمة واردات افتراضية تغيرت عملة تسويتها، إذ تظل الحاجة قائمة إلى تدبير عملة الشريك ما لم تغطها تدفقات مقابلة من الصادرات أو آليات التسوية والمبادلة المتاحة. وهنا تظهر أهمية الفجوة التجارية مع دول «بريكس»، التي بلغت نحو 25.907 مليار دولار خلال 2025، كأحد القيود الأساسية أمام توسيع التجربة.

أبو سمرة: العجز التجاري يضع سقفًا للعملات المحلية
لكن امتلاك آليات للتسوية لا يعني أن كامل فاتورة التجارة يمكن نقلها ببساطة إلى العملات المحلية؛ إذ يرى الدكتور عبد الله أبو سمرة، الخبير الاقتصادي والأكاديمي المتخصص في القيادة والاستشراف الاستراتيجي، أن حجم العجز التجاري يمثل أحد أهم القيود العملية أمام توسع هذه التجربة.
وقال أبو سمرة، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن اتفاقيات المقاصة والتسوية بالعملات المحلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن جغرافية التجارة وحجم التدفقات السلعية، موضحًا أن تجاوز واردات مصر من دول «بريكس» صادراتها إليها بفارق كبير يضع سقفًا لما يمكن تطبيقه عمليًا.
وأوضح أن المقاصة الثنائية تكون أكثر فاعلية عندما يوجد قدر من التوازن في الحركة التجارية؛ فإذا استوردت مصر من شريك تجاري بقيمة تتجاوز كثيرًا ما تصدره إليه، يمكن أن تتراكم لديه أرصدة بالجنيه المصري تحتاج إلى قنوات لإعادة استخدامها.
وأضاف أن هذه الأرصدة يمكن توجيهها إلى شراء سلع وخدمات مصرية أو إلى الاستثمار داخل السوق المصرية، بينما قد تتطلب الفجوة المتبقية تسويات بعملات أخرى وفقًا لطبيعة الاتفاق المبرم بين الطرفين.
تقليل استخدام الدولار أم تقليل الاحتياج إليه؟
وهنا يضع أبو سمرة تفرقة وصفها بالاستراتيجية بين «تقليل استخدام الدولار» في تسوية التجارة و«تقليل الاحتياج الهيكلي للدولار».
وأوضح أن سداد فاتورة واردات باستخدام اليوان أو الروبل بدلًا من الدولار يعني تغيير عملة التسوية، لكنه لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض قيمة الالتزام الخارجي، إذ ينتقل الطلب من عملة أجنبية إلى أخرى.
أما تقليل الاحتياج الهيكلي للعملات الأجنبية، فيراه مرتبطًا ببناء القدرة الإنتاجية وتوطين الصناعة وزيادة الاعتماد على المكونات المحلية وتعميق القدرة التنافسية للصادرات.
وأكد أن العجز التجاري يظل عجزًا بصرف النظر عن العملة المستخدمة في التسوية ما لم تتغير العلاقة بين ما تستورده مصر وما تستطيع تصديره.
روسيا.. نمو الصادرات يفتح مساحة جديدة
وتبرز روسيا كسوق مهمة أخرى أمام توسيع استفادة مصر من «بريكس»؛ فوفقًا لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 5.7 مليار دولار خلال 2025، بينما ارتفعت الصادرات المصرية إلى السوق الروسية من 485 مليون دولار في 2021 إلى 811 مليون دولار في 2025، بنمو بلغ 66%.
وبحسب الوزارة، بحث الجانبان المصري والروسي خلال اجتماع وزراء تجارة «بريكس» في أغسطس 2026 تعزيز التعاون في تجارة الحبوب وسلاسل الإمداد، إلى جانب تسريع التعاون المرتبط بالمنطقة الصناعية الروسية في مصر وزيادة الاستثمارات المشتركة.
ولا تعلن البيانات الرسمية التي استند إليها التحقيق عن تشغيل آلية ثنائية للتسوية بالجنيه والروبل على غرار المسارين الموثقين مع الصين والهند، لكن روسيا تظل إحدى الأسواق التي يمكن أن يمثل نمو الصادرات المصرية إليها عنصرًا مهمًا في توسيع التجارة داخل «بريكس»، بالتوازي مع توجه مصر المعلن نحو تعزيز التسويات بالعملات المحلية بين دول التكتل.

بنك التنمية الجديد.. تمويل بالعملات المحلية
ولا تتوقف محاولات تقليل الاعتماد على الدولار عند التجارة؛ فوفقًا للاستراتيجية العامة لبنك التنمية الجديد للفترة 2022–2026، يستهدف البنك أن تمثل التمويلات بالعملات المحلية نحو 30% من إجمالي تمويلاته، بما يقلل مخاطر تقلب أسعار الصرف ويدعم أسواق المال المحلية في الدول الأعضاء.
وبحسب البنك، كانت التمويلات بالعملات المحلية تمثل نحو 22% من محفظته بالفعل، مدفوعة بصورة رئيسية بالقروض المقومة باليوان، مع توجه لزيادة إصدارات السندات والتمويلات بعملات الدول الأعضاء.
وفي مصر، وافق بنك التنمية الجديد في أغسطس 2026 من حيث المبدأ على تمويل بقيمة تعادل 100 مليون دولار لصالح البنك الأهلي المصري، لدعم تمويل الإسكان الميسر لمحدودي ومتوسطي الدخل، ضمن برنامج «سكن لكل المصريين».
وتعكس هذه التحركات أن مسار «بريكس بدون دولار» لا يقتصر على طريقة دفع فاتورة التجارة، بل يمتد إلى كيفية تمويل المشروعات نفسها، بما يفتح أمام مصر مساحة أكبر لتنويع مصادر التمويل وتقليل التعرض لمخاطر العملات الأجنبية.
ماذا تكسب مصر من تقليل المرور بالدولار؟
تكمن المكسب الأول في تقليل الحاجة إلى عملة وسيطة في جزء من المعاملات؛ فوفقًا للبنك المركزي المصري، يستهدف اتفاق مبادلة العملات مع الصين تسهيل استخدام الجنيه واليوان في المعاملات بين البلدين ودعم التجارة والاستثمار، بما يقلل الاعتماد على العملات الوسيطة.
وتظهر الفائدة نفسها في المسار الهندي؛ إذ تؤكد السفارة الهندية بالقاهرة أن تشغيل الحساب الخاص بالروبية بين بنك الدولة الهندي وبنك مصر يستهدف تسهيل التجارة الثنائية وخفض تكاليف المعاملات وزيادة كفاءة التسويات عبر الحدود.
ويمتد الأمر إلى التمويل؛ فبحسب بنك التنمية الجديد، يساعد التوسع في الإقراض بالعملات المحلية على تقليل مخاطر تقلب أسعار الصرف بالنسبة للمقترضين، إلى جانب دعم أسواق رأس المال المحلية.
وبذلك، لا تعني «بريكس بدون دولار» اختفاء العملة الأمريكية من تجارة مصر، وإنما توسيع مساحة المعاملات التي يمكن تنفيذها مباشرة بعملات الشركاء، بما ينوع أدوات الدفع والتمويل ويقلل الحاجة إلى المرور بعملة وسيطة في كل معاملة.
أبو سمرة: لا تحسبوا كل معاملة بعملة محلية «دولارات تم توفيرها»
ويحذر أبو سمرة من اعتبار كل معاملة يتم تحويلها من الدولار إلى عملة أخرى وفرًا مساويًا في النقد الأجنبي، موضحًا أن الحساب الاقتصادي يحتاج إلى التفرقة بين خفض الطلب المباشر على الدولار وبين خفض الالتزامات الخارجية نفسها.
وأوضح أن تسوية 10% أو 25% أو حتى 50% من التعاملات بعملات أخرى لا تعني بالضرورة توفير القيمة نفسها من النقد الأجنبي؛ لأن مصر ستظل مطالبة بتدبير اليوان أو الروبل أو غيرهما إذا لم تكن حصيلة صادراتها إلى تلك الأسواق كافية لتغطية الواردات.
ويرى أن الجزء الأكثر قدرة على تخفيف الحاجة إلى عملة وسيطة هو الجزء الذي يمكن تغطيته بتدفقات تجارية متبادلة، بحيث تمول حصيلة الصادرات المصرية جزءًا من الواردات.
وعلى سوق الصرف، توقع أن يؤدي تحييد جزء من الطلب اليومي على الدولار إلى تخفيف الضغط على التعاملات الفورية، لكن استدامة هذا الأثر تظل مرتبطة بتوافر تدفقات حقيقية من عملات الشركاء.
أما بالنسبة للاحتياطيات، فإن التوسع في هذه الآليات يفرض تنويع العملات المستخدمة لمواجهة التزامات التسوية، بينما يظل تأثيرها على التضخم محدودًا إذا استمرت أسعار السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج في الارتباط بالأسعار العالمية وقيمة الجنيه أمام العملات الرئيسية.
30 % إلى 40%.. متى يصبح التأثير أكبر؟
ومن منظور استشرافي، يقدر أبو سمرة أن إحداث أثر ملموس ومستدام قد يتطلب تحويل ما بين 30% و40% من فاتورة الاستيراد إلى اتفاقيات للتسوية بالعملات المحلية، بشرط ألا تقل تغطية الصادرات المصرية عن 50% من التعاملات الداخلة في هذه الآليات.
وشدد على أن هذه النسب تمثل تقديرًا تحليليًا من جانبه وليست مستهدفات رسمية معلنة، وأن العامل الحاسم في النهاية يظل قدرة مصر على زيادة صادراتها وتوليد تدفقات كافية من عملات شركائها التجاريين.
من فاتورة الاستيراد إلى جيب المواطن
يبقى الاختبار الأهم: هل يمكن أن يشعر المواطن بهذه التحركات؟ فوفقًا للسفارة الهندية بالقاهرة، يستهدف تشغيل حساب الروبية خفض تكاليف المعاملات التجارية، بينما يستهدف اتفاق مبادلة العملات مع الصين، وفقًا للبنك المركزي المصري، تسهيل التجارة والاستثمار وتقليل الحاجة إلى العملات الوسيطة.
لكن انخفاض تكلفة التسوية لا يعني بالضرورة انخفاض سعر السلعة بالقيمة نفسها؛ إذ تدخل في السعر النهائي عناصر أخرى، من تكلفة المنتج والشحن والتأمين إلى الضرائب وهوامش التجارة.
هل يصل الوفر فعلًا إلى سعر السلعة؟
يرى أبو سمرة أن وصول أي وفر ناتج عن خفض تكاليف تدبير العملات أو التحويلات إلى المستهلك يتوقف على سلسلة القيمة ودرجة المنافسة داخل الأسواق.
وأوضح أن سلعًا استراتيجية مثل القمح والزيوت ترتبط بأسعار مرجعية في الأسواق العالمية، وبالتالي فإن تغيير عملة الدفع يمثل عنصرًا واحدًا فقط ضمن حساب تكلفة الاستيراد ولا يلغي تأثير السعر العالمي.
كما تلعب درجة المنافسة بين المستوردين والوسطاء دورًا في تحديد مدى انتقال أي انخفاض في تكلفة التمويل أو التحويل إلى المستهلك النهائي، فضلًا عن تكاليف التحوط من تقلب أسعار العملات، التي قد تمتص جزءًا من الوفر المتوقع.
ولا يقتصر الأثر المحتمل على الأسعار؛ فوفقًا لبنك التنمية الجديد، يمتد استخدام العملات المحلية إلى تمويل المشروعات وتقليل مخاطر تقلب أسعار الصرف، بما يفتح مسارًا آخر لوصول مكاسب «بريكس» إلى المواطن عبر الاستثمار والإنتاج وفرص العمل.
التصدير يوسع مساحة العملات المحلية
ويبقى توسيع الصادرات أحد مفاتيح زيادة مساحة التجارة بالعملات المحلية؛ فوفقًا لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، قفزت صادرات مصر إلى دول «بريكس» بنسبة 45.7% خلال 2025، لتصل إلى 13.772 مليار دولار، مقابل 9.451 مليار دولار في 2024.
وتدعم القاهرة هذا الاتجاه بفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية؛ فبحسب الوزارة، تستهدف مصر من مشاركتها في «بريكس» زيادة الصادرات وتعميق اندماج الشركات المصرية في سلاسل القيمة العالمية، بالتوازي مع توسيع آليات التجارة بالعملات المحلية وربط أنظمة المدفوعات بين دول التكتل.
المشكلة في الدولار أم في هيكل التجارة؟
وهنا يعيد أبو سمرة النقاش إلى السؤال الأكثر جوهرية: هل المشكلة الحقيقية هي الدولار نفسه أم هيكل التجارة وقاعدة الإنتاج؟.
ويرى أن تغيير عملة التسوية لا يستطيع وحده معالجة عجز تجاري ناتج عن اعتماد الاقتصاد على واردات أساسية ومدخلات إنتاج وآلات وطاقة مقابل قدرة تصديرية أقل، موضحًا أن انتقال الاستيراد من أسواق غربية إلى أخرى شرقية، من دون بناء قدرات صناعية وإنتاجية وتصديرية، قد يغير اتجاه التجارة دون معالجة جوهر الاختلال الخارجي.
وقال إن التعامل بالعملات المحلية في ظل عجز تجاري واسع لا يلغي الاحتياج إلى التمويل الأجنبي، وإنما قد يغير فقط العملة أو الجهة التي يأتي منها هذا التمويل.
وأكد أن الاستفادة الاستراتيجية من «بريكس» ينبغي ألا تقتصر على النظر إليه كمنصة لتغيير عملات التسوية، وإنما باعتباره فرصة لجذب الاستثمارات المباشرة ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وزيادة القدرة التصديرية.
الاختبار الحقيقي لـ«بريكس بدون دولار»
وفي النهاية، يبدو اختبار «بريكس بدون دولار» أكبر من مجرد اختيار العملة التي تُكتب بها فاتورة الاستيراد؛ فمبادلة اليوان وحساب الروبية يفتحان لمصر مسارًا لتقليل المرور بالدولار في جزء من تجارتها، لكن اتساع هذا المسار يظل مرتبطًا بما تستطيع مصر أن تبيعه في المقابل.
فكلما زادت الصادرات وتوسعت الصناعة المحلية وجذبت مصر استثمارات وتكنولوجيا من دول التكتل، أصبحت العملات المحلية أداة أكثر فاعلية. أما إذا ظلت الواردات تتجاوز الصادرات بفجوة واسعة، فقد تتغير عملة الفاتورة من الدولار إلى اليوان أو الروبل، بينما تظل الحاجة إلى النقد الأجنبي قائمة.
وهنا تصبح الإجابة عن سؤال التحقيق أكثر وضوحًا: «بريكس بدون دولار» ليس طريقًا لإلغاء الدولار، بقدر ما هو فرصة لتقليل الاعتماد عليه؛ أما الاختبار الحقيقي، فهو قدرة مصر على تحويل هذه الفرصة من اتفاقات تسوية ومدفوعات إلى صادرات وإنتاج واستثمارات تنعكس في النهاية على الاقتصاد وجيب المواطن.


التعليقات