تكريم الناقد.. تكريم المهنة

ناهد صلاح
ناهد صلاح

لا تبدو الجوائز الجديدة التي استحدثتها جمعية نقاد السينما المصريين مجرد إضافة إجرائية إلى منظومة جوائزها السنوية، بقدر ما تظهر كمحاولة لاستعادة شيء أكثر جوهرية: الاعتراف بالنقد السينمائي بوصفه ممارسة ثقافية لها تاريخها وذاكرتها ومستقبلها، وباعتبار الناقد نفسه طرفًا أصيلًا في صناعة الحياة السينمائية، لا مجرد وسيط يكتب عن الأفلام بعد اكتمالها. من هذه الزاوية تحديدًا تكتسب الجوائز المستحدثة أهميتها، إذ اختارت الجمعية أن تبدأ من طرفي المعادلة: ناقد كبير يمثل تراكم التجربة وامتدادها التاريخي، وناقد شاب يمثل احتمالات التجدد والاستمرار.. منح الجائزة التقديرية للناقد الكبير كمال رمزي، والجائزة التشجيعية للناقد أحمد عزت عامر، لا يجمع بين اسمين في قائمة تكريم واحدة بقدر ما يرسم خطًا رمزيًا يصل بين أجيال مختلفة من الممارسة النقدية، ويقول بوضوح إن النقد لا يعيش فقط بما أنجزه رواده، ولا بما يَعِد به شبابه، إنما بقدرته على خلق صلة حية بين الاثنين.

تأتي قيمة الجائزة التقديرية الممنوحة لكمال رمزي من كونها لا تحتاج، في حالته، إلى اختراع أسباب للتكريم. فمسيرته التي بدأت عام 1968، عقب تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، تمثل واحدة من التجارب الممتدة والمؤثرة في تاريخ النقد السينمائي المصري والعربي.. نحو خمسة وعشرين كتابًا نقديًا، ومئات المقالات المنشورة في الصحف والمجلات المصرية والعربية، إلى جانب تجربته التلفزيونية في إعداد البرامج السينمائية، تجعل من رمزي نموذجًا للناقد الذي لم يحصر علاقته بالسينما في المقال النقدي أو القراءة العابرة للفيلم، بل تعامل معها باعتبارها مجالًا معرفيًا وثقافيًا واسعًا. لذلك فإن هذه الجائزة لا تحتفي بكتاب أو مقال بعينه، إنما بمسار كامل، بفكرة أن النقد، مثل السينما ذاتها، يحتاج إلى ذاكرة تحفظ منجزاته وتعيد وضع أصحابها في سياقهم التاريخي.

في حالة كمال رمزي تحديدًا، تكتسب الجائزة دلالة إضافية لأن تجربته تنتمي إلى زمن كان فيه الناقد السينمائي قادرًا على أن يكون شخصية عامة ذات حضور ثقافي، وأن تمتد كتابته من الصحيفة والمجلة إلى الكتاب والتلفزيون، وأن تكون له سلطة معرفية وتأثير يتجاوز حدود جمهور المتخصصين.. ربما تكمن أهمية استعادة هذه التجربة اليوم في أن المشهد النقدي المعاصر يعيش تحولات عميقة فرضتها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وتغير علاقة الجمهور بالكتابة السينمائية. وسط هذا التحول، يصبح تكريم ناقد بحجم رمزي تذكيرًا بأن النقد ليس مجرد إبداء رأي سريع في فيلم، وأن قيمته الحقيقية تتأسس على المعرفة والتراكم والقدرة على بناء موقف نقدي يمكن أن يصمد أمام تغير الزمن.

لكن أهمية الجائزة التقديرية لا تكتمل إلا بالنظر إلى الجائزة التشجيعية التي ذهبت إلى أحمد عزت عامر.. فاختيار ناقد شاب يمنح الجائزة ملمح استشرافي واضح. عامر لا يُكرَّم هنا بوصفه اسمًا صاعدًا فحسب، لكن باعتباره نموذجًا لنوع من النقد الذي يحاول أن يجمع بين الكتابة المنتظمة والبحث والاشتغال على التجارب السينمائية بصورة أوسع.. ويكشف اختياره عن رغبة في أن تكون الجائزة التشجيعية اعترافًا بالممارسة الجادة، لا بمفهوم "الشباب" في حد ذاته؛ فهذا لا يصنع ناقدًا، لكن تصنعه الاستمرارية، والقراءة، والقدرة على تطوير أدوات التحليل والتفكيك.

على هذا الأساس يمكن قراءة الجائزتين معًا بوصفهما إعلانًا ضمنيًا عن تصور معين للنقد السينمائي: نقد له ذاكرة، لكنه ليس أسيرًا للماضي؛ ونقد يهتم بالأجيال الجديدة والتجديد، لكنه لا يقع في فخ القطيعة مع الخبرة، وبينهما تقترح الجمعية أن النقد نفسه يمكن أن يكون تقليدًا متصلًا، تنتقل فيه الخبرة لا باعتبارها سلطة أبوية، إنما باعتبارها رصيدًا معرفيًا تحتاج الأجيال الجديدة إلى محاورته وتجاوزه وتطويره.

أما الجائزة الثالثة، الخاصة بأفضل مقال نقدي يُنشر خلال العام، فقد تكون في الحقيقة الأكثر دلالة على مستقبل المشروع كله. لأنها تنظر إلى جوهر الممارسة النقدية نفسها: النص. هذه النقطة بالذات مهمة، لأن أزمة النقد السينمائي لا ترتبط فقط بعدد النقاد أو حضورهم، لكن أيضًا بمستوى الكتابة النقدية، وبقدرتها على إنتاج معرفة حقيقية حول السينما.. وإذا أحسنت الجمعية إدارة هذه الجائزة، فإنها قد تصبح أكثر من جائزة سنوية؛ يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى نوع من الأرشيف النقدي غير المباشر للحظة السينمائية المصرية والعربية. فاختيار أفضل مقال كل عام يعني، بمرور الوقت، تكوين سلسلة من النصوص التي يمكن العودة إليها لفهم كيف قرأ النقاد السينما في مراحل مختلفة، وما الأفلام والقضايا والأسئلة التي شغلتهم، وكيف تغيرت أدواتهم ومواقفهم. وفي زمن تتعرض فيه الكتابة الصحفية الرقمية للتبدل السريع، وتختفي نصوص كثيرة في زحام المنصات، يصبح منح المقال النقدي قيمة مؤسسية نوعًا من الإنقاذ للكتابة من مصير الاستهلاك اللحظي.

هذا الأمر تحديدًا يعيد تعريف مكانة النقد داخل المشهد السينمائي، ويعكس وعيًا بأن الثقافة السينمائية لا تتكون من الأفلام وحدها، إنما من الكتابة التي تفسرها وتجادلها وتضعها في سياقها التاريخي والجمالي. إذا استطاعت الجمعية أن تحافظ على هذا التقليد وأن تطور معاييره عامًا بعد عام، فقد تتحول من مجرد جوائز إلى تقليد ثقافي له أثره في إعادة الاعتبار إلى النقد السينمائي المصري، ليس باعتباره ملحقًا بالسينما، لكن كأحد أشكال صناعتها الفكرية وذاكرتها الحية. في هذه الحالة، فإن الجائزة الأهم التي يمكن أن تنتجها الجمعية لن تكون تلك التي يحملها ناقد بين يديه، إنما ذلك التقليد الجديد الذي يرسخ فكرة أن النقد ذاته يستحق أن يُقرأ، وأن يُحفظ، وأن يُقيَّم، وأن تكون له جوائزه وذاكرته وتاريخه ومستقبله.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.