ثمن الظل.. أين تذهب أشجار المدن بعد قطعها وكم يكلف تعويضها؟

ثمن الظل.. أين تذهب أشجار المدن بعد قطعها وكم يكلف تعويضها؟

في قرية على أطراف محافظة الجيزة، يمضي "محمد" التاجر بين جذوع الأشجار المقطوعة. لسنوات، يجمعها بنفسه من إدارات الأحياء أو المزارع أو من مزادات حكومية أحيانًا. على يساره، شجرة ضخمة ممدة على الأرض، يتفاخر بها أمام زبونته التي جاءت تشتري ألواحًا خشبية لتكون طاولات لمطعمها. ويدعي أن عمرها مئات الأعوام، ثم يقيس لها جذعها الداكن المتشابك، الذي يزيد قطره عن متر و25 سم، ويُذكّر شكله بجفاف وعواصف سنوات طويلة.

هذه الشجرة من نوع السنط، الذي يصفه "محمد" بأنه "ملك الخشب"، حيث كانت تُصنع منه المراكب القديمة. وحولها، كانت تتبعثر قطع من أخشاب الأشجار المجففة لأنواع أخرى: سرسوع، اللبخ، كايا (الماهوجني الإفريقي). يحمل "محمد" إحداها، ويقول: "هذا لصنع الفحم والتصدير".

فلا تنتهي قصة هذه الشجرة التي كانت جزءًا من شوارع القاهرة قبل مماتها، فتخوض رحلة أخرى من مكانه، إلى مكامير الفحم، وربما إلى بلد آخر بعدها. وفي الوقت نفسه، تبدأ المدينة في مواجهة تداعيات خسارتها بيئيًا وماديًا.

وسط الانتقادات التي أثارتها وقائع قطع الأشجار مؤخرًا، ترصد القصة بالأرقام مسار صادرات وواردات مصر من الأخشاب ومصنوعاتها والفحم الخشبي خلال السنوات العشر الأخيرة، وتبحث مدى تزامنها مع الفترات التي شهدت تصاعدًا في وتيرة إزالة الأشجار، إلى جانب تقدير تكلفة فقدان أشجار المدينة.

تلك الشجرة المبتور جذعها، قدّر "محمد" عمرها من خلال عدّ خطوطها وتجاعيدها، كما يقول. وبمعنى أدق علميًا، عدّ حلقات النمو من الخارج إلى المركز، وتمثل كل حلقة سنة نمو تقريبًا.

يرفض "محمد" أن يفصح عن المكان الذي أتى منه بهذه الشجرة تحديدًا، لكن هذا النوع من الأشجار القديمة يتمركز على الأغلب في مناطق بالقاهرة والجيزة القريبة من موقعه. ومنذ خريف عام 2021، سبق هذه الشجرة عشرات الأشجار المماثلة لها، قُطعت من مناطق مثل مصر الجديدة، الزمالك، المعادي، وغيرهم.

وقبل أن تصل الشجرة إلى "محمد" على هذا الحال، كان لها مظهرٌ صلبٌ بشكلٍ مهيب، تاجها واسع ومفرود وأوراقها صغيرة وكثيفة، وتبدو كأنها مظلة للمارين أسفلها.. يرتبط بها جيرانها منذ سنوات طويلة، لكن عمرها الحقيقي وما عاشته لا أحد يعرفه بشكل دقيق، فكما كتب الشاعر الأمريكي روبرت فروست عن الأشجار: "فهي كائنات حية ولكنها ساكنة، تعيش وفق إيقاع زمني يختلف عن إيقاعنا البشري. إذ يمكن قياس أعمار بعض الأنواع بأجيال البشر؛ فنحن نستيقظ لنجد أن أوراق الشجرة قد تغير لونها، أو نلاحظ -مع حلول الربيع- ازدياد صلابة جذعها ومتانته".

حتى انطلقت نحوها تلك العربة برتقالية اللون، وهي بمثابة نذير شؤم على السكان. فهي السيارة الخاصة بتاجر متعاقد مع الحي، حسب كلامهم. ويعني ظهورها أن الشجرة بات مصيرها محسومًا.

وحين باغت شاهد عيان المقاول الذي يقوم بقطع الأشجار، سرعان ما أخرج له خطابًا يفيد بأن ما يفعله قانوني تمامًا. كان خطابًا صادرًا عن الإدارة العامة للشئون المالية بالهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، وهو أمر بيع بالأمر المباشر لصالح إحدى شركات المقاولات، والمتعلق ببيع ناتج أخشاب الأشجار الجافة المقطعة والمشونة بمشاتل وأحياء القاهرة المختلفة، بقيمة إجمالية قدرها 120 طنًا من الأخشاب المقطعة بسعر 400 جنيه للطن، و120 طنًا من الأخشاب المشونة بسعر 420 جنيهًا للطن (قابلة للزيادة).

لم تنجُ شجرة السنط من ذلك، في حين نجا آخرون بعد أن كانوا مهددين أيضًا مثل الموجودين بشارع نهرو بمصر الجديدة: التين والأكاسيا والنخيل كجزء من مشاريع التطوير أو توسعة الطرق، قبل أن يتوقف الأمر بعد اعتراضات السكان التي صدرتها مبادرة تراث مصر الجديدة بترقيمها لـ 341 شجرة في أربعة شوارع محيطة، وتسميتها بأسماء رؤساء، ملوك، فنانين. يقول شكري أسمر (أحد مؤسسي المبادرة): "في تلك اللحظة، كان أملنا هو عدم المساس بها، وإيفاد رسالة بأن أهمية الأشجار بنفس أهمية الأشخاص المكتوبة أسمائهم عليها".

بحلول الخريف الحالي، فقدت المدينة شجرة السنط، لتزيد أرقام خسارتها. فالقاهرة وحدها فقدت 910,894 مترًا مربعًا من المساحات الخضراء بين 2017 و2020 فقط، وأكبر خسارة كانت في منطقة مصر الجديدة التي راح منها 272,274 م² واختفى من شرق مدينة نصر 311,283 م²، بحسب بحث منشور في مجلة Journal of Engineering and Applied Science، بعنوان "كمية وتوزيع المساحات الخضراء العامة في القاهرة" - 2022.

_______________________________________________________

وصلت الشجرة إلى مخزن "محمد" ليصنع من خشبها طاولات وأطباقًا وغير ذلك، ويرسل الأجزاء المقطوعة والمتناثرة منها أو ما يسمى بـ"الهالك" إلى تجار الفحم.

وبالنظر إلى الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فهناك زيادة ملحوظة في صادرات مصر من فئة "الخشب ومصنوعاته والفحم الخشبي". وبرصد وتحليل تلك الأرقام، تبين أن عام 2022 ربما يكون نقطة التحول، حيث زادت بعدها الصادرات 3 سنوات متتالية، وبنسب كبيرة.

ذلك الرابط المثار بين وقائع قطع الأشجار وزيادة أرقام تصدير الأخشاب والفحم، لا يراه منير راغب (رئيس شعبة الأخشاب بالاتحاد العام للغرف التجارية) منطقيًا أبدًا أو على الأقل فيما يخص الخشب، حسب رأيه. فيقول لـ"مصراوي": "نحن دولة غير منتجة للأخشاب، ولا نصدرها بكميات، بل نستورد أكثر بكثير. وكل ما يخرج هو بعض الأثاث والديكورات، لكن الخشب الذي يخرج من الأشجار يُستغل محليًا في الأثاث والفحم".

أما في رشيد، حيث مكامير الفحم بشركة الفحم المصري، التي يديرها حسام رزق، فتظهر الصلة الوثيقة بالتصدير بوضوح. فينطلق "رزق" وغيره من تجار الفحم يوميًا إلى الأراضي الزراعية التي يريد أصحابها اقتلاع أشجارها أو جزء منها ليحصلوا عليها. يوضح "رزق" ذلك: "بأنه في بعض الأحيان يريد الفلاح أو صاحب المزرعة أن يقطع أو يبيع الشجر الخاص به لأسباب مختلفة؛ إما خسر معه أو متضرر من الطيور التي تقف عليه أو أن الشجر يظلل جزء الأرض الموجود أسفله فلا تصله مياه وهواء، وكلها أمور تخص الزراعة".

هذا المنبع الدائم الذي يركز عليه "رزق" وتجار الفحم لدرجة أنهم يحفظون مواسم الفاكهة ويعملون على أساسها، كما يقول، ليس لأنه المورد الأسهل أو الأكثر وفرة فقط، إنما لأن الأشجار التي يحتاجها هي أشجار الفاكهة: "البرتقال، الخوخ، المانجو". ولا ينكر في الوقت نفسه، أن هناك أشجارًا أخرى تأتيه من الطرق لكن وتيرة ذلك أقل بكثير. يقول: "أنا لا أذهب لقطع أشجار من الشوارع، أشخاص آخرون يفعلون ذلك ويتصلون بنا كتجار إن احتجنا الشراء".

وفي تلك الحالة، يمكن أن يكون محطة محتملة لشجرة السنط الموجودة لدى "محمد". وتختلف الأنواع التي تذهب له من الطرق والمناطق السكنية لتصبح: "السنط"، "الكافور" أو "الغازورين" (الكازورينا)، وهي شجرة دائمة الخضرة، قد تصل إلى 30 مترًا أو أكثر، مرنة وعنيدة، تقاوم صعوبة المناخ، وتُستخدم كمصدات للرياح، وخشبها جيد للحطب وإنتاج الفحم. وهنا قد تكون الشجرة الواحدة كافية تمامًا لتلبية ما يحتاجه، فتوازي أكثر من 20 شجرة فاكهة.

يشتري "رزق" الشجرة بمتوسط 4 آلاف جنيه للطن. وحصيلة ما يجمعه يفندها على هذا النحو: الخشب المتماسك يبيعه لتجار الخشب وصناع المراكب بالمدينة، أما المقطوع فيصنع منه الفحم، في عملية تكلفه كهرباء ومياه وعمالًا، يدفع للواحد منهم يومية تقدر بـ 500 جنيه. ليرى بالنهاية "أن مكسبه ضعيف" عندما يصدره إلى دول –على رأسها السعودية– بحوالي 35 – 37 ألف جنيه للطن.

ولا يرى الرجل في عمله عيبًا على الإطلاق مع انتقادات قطع الأشجار المتكررة. فيقول: "الأمر مختلف في المناطق الريفية والزراعية عن المدينة، وعن نفسي، سأغضب بالتأكيد إذا جاء شخص لقطع شجرة من أمام بيتي".

_______________________________________________________

تكلفة خسارة الشجرة

وفي وقت تصل فيه أحيانًا درجات الحرارة خلال فصل الصيف ذروتها عند 46 درجة مئوية، طالما أدت شجرة السنط وغيرها عملاً دؤوباً وغير مرئي لصالح المدينة وسط التغيرات المناخية التي تجري بصورة قاسية. فتحدث عمرو ربيع (رئيس قسم الأشجار الخشبية والنبات بمعهد بحوث البساتين التابع لمركز البحوث الزراعية) لـ"مصراوي"، عن أن الأشجار تؤدي أدوارًا بيئية متعددة، تحسن الصحة العامة والمزاج، وتسهم في زيادة العمر الافتراضي للأسفلت بنحو 3 إلى 5 سنوات.

وبالأساس، تعاني المدن من ظاهرة الجزر الحرارية نتيجة انتشار الأسفلت والمباني الخرسانية التي تعمل على تخزين الحرارة، فالتشجير يخفض درجات الحرارة بما لا يقل عن 6 درجات ويوفر نحو 20% من استخدام أجهزة التكييف، وبالتالي خفض استهلاك الطاقة والكهرباء، كما يقول.

تمتلك مصر 5.4 مليون متر مربع من المساحات الخضراء الحضرية مثل الحدائق والمتنزهات النباتية وحدائق الحيوان، أقل من 10% مما تحتاجه لخدمة سكانها المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

وبعد الانتقادات الأخيرة لعملية قطع الأشجار بشارع جامعة الدول العربية بالجيزة لتوسعة الطريق، وجهت منال عوض (وزيرة التنمية المحلية والبيئة) بحصر الأشجار التي قُطعت، وتحديد أسباب إزالتها بدلاً من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة، مع اختيار أنواع ملائمة لطبيعة المكان.

لكن نادر نور الدين (أستاذ الزراعة والموارد المائية)، قال عن فكرة زراعة بديل لها: "هذه الأشجار لها عشرات وربما مئات السنين ولذلك تعمقت جذورها حتى وصلت إلى المياه الجوفية السطحية المخزنة على عمق يتراوح بين 1.5 - 2.5 متر من سطح الأرض، وأصبحت هذه الأشجار تشرب وتتغذى ذاتياً من هذه المياه وما بها من عناصر غذائية ذائبة من طبقات الطين أعلاها وأسفلها، والقول بأنه سيتم إحلال هذه الأشجار ليس بالسهولة أبداً، فوضع أشجار صغيرة أي شتلات ذات أعماق جذور لا تتجاوز ربع متر يعني أننا سنحتاج إلى ري هذه الأشجار مرتين أسبوعياً للتعامل مع جذورها السطحية ولمدة عشر سنوات وربما أكثر حتى تتعمق جذور هذه الشتلات وتصل إلى أعماق المياه الجوفية السطحية الحالية، وهي عملية ليست بالسهلة".

ثم خرجت الوزيرة مرة أخرى في اليوم التالي بتوجيه لجميع المحافظات بضرورة المحافظة على الأشجار ومتابعة تنفيذ مبادرة زراعة 100 مليون شجرة. فكان من المفترض أن يصل إجمالي ما زرعته المبادرة إلى 55 مليون شجرة بحلول هذا العام وفقًا للجدول الزمني والخطة المعلنة، إلا أن ما تم زراعته وإنجازه فعلاً -بحسب البيانات الرسمية المنشورة- نحو 12.8 مليون شجرة، غير ما يتم إزالته، وهو غير مُقدر رسميًا.

وتتراوح تكلفة زراعتها للشجرة الواحدة من 50 جنيهًا وحتى 5 آلاف أو أكثر حسب نوعها، كما يوضح عمر الديب (مؤسس مبادرة شجرها)، الذي يعتمد في مبادرته على التعاون مع عدة مؤسسات شريكة بجانب المساهمات المادية من محبي الأشجار.

50 جنيه - 5 آلاف تكلفة زراعة الشجرة الواحدة (حسب نوعها)

ولأن غالبية وقائع اقتلاع الأشجار ترتبط بمشروعات، يراجع "عمر" مخططات المشروعات لدى أجهزة المدن، ويتعاون مع وزارتي الإسكان الاجتماعي والبيئة للتأكد من أن الأشجار التي سوف تزرعها المبادرة لن يتم إزالتها فيما بعد. ورغم ذلك، فقبل نحو شهر، تم إزالة أربع نخلات من الحزام الأخضر لمدينة العبور لبناء محال تجارية، بعدما قام "عمر" وفريق مبادرته بتلقيح 50 نخلة فيه في شهر مارس الماضي ليكون مُنتجًا.

يقول "عمر": "لا نستطيع الحديث عن إن كان هناك توازن بنهاية المطاف بين ما يتم زراعته وما تم إزالته، لكن لا بد من وجود تخطيط للأمر، وتنفيذ الضوابط، لأن الشتلات الجديدة لا تعوض القديم بأي حال".

وينص قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، المعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009، على حظر التعدي على الأشجار الموجودة في الطرق العامة بالقطع أو الإتلاف، مع فرض عقوبات تشمل الحبس والغرامة. وعليه، أمرت النيابة العامة بإجراء تحقيقات موسعة في البلاغات المقدمة بشأن وقائع قطع الأشجار في عدد من المناطق على مستوى الجمهورية. وكلفت -وفق بيان رسمي لها- الجهات الرقابية المختصة بإجراء التحريات اللازمة حول حقيقة تلك الوقائع، وبيان أسباب قطع تلك الأشجار وكمياتها -حال ثبوت وقوعها-، والإجراءات التي اتُّخذت في هذا الشأن.

ومع ذلك، فيستفيد كل من حسام رزق (صاحب شركة الفحم) و"محمد" تاجر الخشب وغيرهما من تقطيع هذه الأشجار. ويبدو من مجموعات العاملين في تجارة الأخشاب وصناعة الفحم النباتي، مدى نشاط هذا السوق. فيعرض الجميع خدمات تقطيع وإزالة وحمل الأشجار ونزعها "على الواقف" أي كما هي، ليبلغ متوسط سعر الطن في هذه الحالة أكثر من 3000 جنيه. وعلى ما يبدو من أحاديثهم، لا يضمن "محمد" وغيره أن تسير وتيرة عملهم بالطريقة نفسها فيما يخص الأشجار المقبلة. لكن بالنسبة لشجرة السنط، فقد فات الأوان.

تنويه: اسم تاجر الأخشاب هو اسم مستعار بناءً على طلبه

اقرأ أيضا:

حرب المناخ على الأرزاق.. كيف بدل التغير المناخي حياة جمعة وإبراهيم وماجد؟

من قايتباي إلى الدير الأحمر.. آثار الأجداد في قبضة المناخ

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.