على أرض سوهاج، لا تسير في طريق عادي، فكل خطوة يمكن أن تقودك إلى صفحة من صفحات التاريخ، وكل جبل قد يخفي خلف صخوره حكاية حضارة مرت من هنا وتركت بصمتها شاهدة على عظمة المكان فالمحافظة التي تحتضن عددا من أهم المواقع الأثرية في صعيد مصر، تجمع بين آثار فرعونية وبطلمية ورومانية وبيزنطية، في مشهد يكشف عن تنوع حضاري نادر امتد عبر قرون طويلة.
وفي سلسلة «حكاية مكان»، نأخذ القارئ في جولة داخل اثنين من المواقع التي تحمل الكثير من الأسرار، هما منطقة أتريبس بالشيخ حمد ومنطقة الهجارسة، لنكتشف حكايات معابد ومقابر وكنائس قديمة، بعضها ما زال قائما، وبعضها لا يزال ينتظر أن تكشف الرمال والصخور المزيد من أسراره.
أتريبس.. مدينة قديمة على طريق الحضارات
في منطقة الشيخ حمد، غرب سوهاج، تقف آثار أتريبس كواحدة من أبرز الشواهد على تعاقب الحضارات فوق أرض الصعيد ويعود تاريخ الموقع إلى نحو القرن الرابع قبل الميلاد، ليصبح على مدار العصور مساحة التقت فيها التأثيرات المصرية واليونانية والرومانية والبيزنطية.
ولا تكمن أهمية أتريبس في معابدها فقط، وإنما في التنوع الكبير الذي تضمه المنطقة من مقابر ومنازل ومحاجر ومبانى دينية، وهو ما يمنح الزائر صورة متكاملة عن الحياة التي كانت تدور في هذا المكان قبل آلاف السنين.
ويقع معبد أتريبس إلى الغرب من منطقة سكنية قديمة كانت تضم منازل شيدت من الطوب اللبن، ولا تزال بقايا هذه المنطقة مدفونة تحت الرديم، بينما تنتشر بالقرب منها مقابر تعود إلى العصرين اليوناني والروماني، إلى جانب محاجر الحجر الجيري التي استُخرجت منها الأحجار المستخدمة في بناء المعبد.
بتري يبدأ رحلة الكشف
لم تصل حكاية أتريبس إلى العالم الحديث بسهولة، فقد احتاج الكشف عن أسرار المنطقة إلى جهود عدد من بعثات التنقيب الأثري.
وكان عالم الآثار الإنجليزي وليم فلندرز بتري من أبرز من ارتبط اسمهم بأعمال الحفر في المنطقة، حيث أجرى حفائره خلال عامي 1906 و1907، ثم تواصلت أعمال هيئة الآثار المصرية بين عامي 1981 و1997، قبل أن تتولى بعثة مصرية ألمانية مشتركة أعمالًا في الموقع خلال الفترة من 2003 حتى 2012، وبفضل هذه الجهود، ظهرت ملامح جديدة من تاريخ المكان، وتحولت أتريبس من مجرد أطلال متناثرة إلى موقع أثري يكشف طبقات متتالية من التاريخ.
معبد بطلميوس الثاني عشر.. أعمدة تحكي قصة المعبد
ومن بين أهم ما يلفت الأنظار في أتريبس، معبد بطلميوس الثاني عشر، الذي يمثل واحدة من أبرز روائع العمارة الدينية في المنطقة، بدأ إنشاء المعبد في العصر البطلمي، ثم استكمل الأباطرة الرومان أعمال البناء فيه، بداية من عهد الإمبراطور تيبيريوس وصولا إلى الإمبراطور هادريان، لتصبح جدرانه شاهدًا على انتقال الموقع من العصر البطلمي إلى العصر الروماني.
ورغم أن زلزالا تعرض له المعبد أدى إلى تدمير أجزاء منه، فإن ما تبقى منه لا يزال يكشف عن تصميم معماري مميز، حيث يحيط بالحجرات الداخلية رواق أعمدة يضم 26 عمودا، في تصميم يمنح المكان خصوصية واضحة بين نماذج العمارة المصرية القديمة، لكن ربما تكون أكثر التفاصيل إثارة داخل المعبد هي تلك التي تظهر على جدران قدس الأقداس، حيث يوجد منظر لموكب فريد من المعبودات التي تمثل أيام التقويم المصري، ويحمل كل معبود إناء بغطاء يأخذ شكل رأس صقر يعلوه قرص الشمس.
هنا لا تصبح الجدران مجرد أحجار صامتة، وإنما تتحول إلى سجل مصور يروي جانبا من نظرة المصري القديم إلى الزمن والتقويم والآلهة.
معبد بطلميوس التاسع.. حكاية لم تكتمل بعد
وإلى الغرب من معبد بطلميوس الثاني عشر، يوجد معبد بطلميوس التاسع، الذي خصص لعبادة المعبود «مين – رع» ولا يزال جزء كبير من المعبد مدفونا تحت الرمال، وهو ما يترك الباب مفتوحًا أمام المزيد من الاكتشافات، بينما تم اكتشاف بوابته عام 1983.
ويربط بين المعبدين طريق مرصوف ببلاطات حجرية، وكأن المكان كان في الماضي جزءًا من منظومة دينية ومعمارية متكاملة، لم تكشف كل تفاصيلها بعد.
«إسكلبيوس».. معبد منحوت في قلب الصخر
ولا تتوقف أسرار أتريبس عند المعابد القائمة، فهناك أيضا معبد إسكلبيوس الصخري، الذي يختلف في طبيعته عن غيره، إذ يتكون من فناء وواجهة حجرية وحجرتين محفورتين داخل الصخر، ويعود تاريخ المعبد إلى نهاية العصر البطلمي، استنادا إلى الزخارف التي ما زالت باقية عليه، ليضيف بدوره فصلا جديدا إلى قصة الموقع وتنوع الاستخدامات الدينية والمعمارية التي عرفتها أتريبس.
من أتريبس إلى الهجارسة.. الجبل يحتفظ بأسراره
ولا تنتهي رحلة «حكاية مكان» عند أتريبس، فإلى الجنوب من مدينة سوهاج، وعلى الجانب الغربي لنهر النيل، تظهر منطقة الهجارسة، التي تقع على بعد نحو 9 كيلومترات من مدينة سوهاج فهناك، يتحول الجبل نفسه إلى كتاب مفتوح، بعدما احتضن العديد من المقابر المنحوتة في الصخر، والتي تحمل نقوشا وزخارف فرعونية تعود إلى الأسرة الرابعة، وما زالت تحتفظ بجزء من جمالها ووضوح تفاصيلها.
وتكشف هذه المقابر عن جانب آخر من تاريخ المنطقة، حيث لم تكن الجبال مجرد تكوينات طبيعية، وإنما تحولت إلى مدافن ومواقع ارتبطت بحياة المصريين القدماء ومعتقداتهم الجنائزية.
بعثة أسترالية تبحث عن المزيد
وكما حدث في أتريبس، لم تتوقف جهود الكشف الأثري في الهجارسة، حيث أجرت بعثة أسترالية من جامعة سيدني أعمال حفائر وتنظيف في مستويات مختلفة من الجبل، ورغم القيمة الأثرية الكبيرة للموقع، فإنه غير مفتوح للزيارة، وهو ما يجعل كثيرًا من تفاصيله بعيدة عن أعين الزائرين، في انتظار ما قد تكشفه أعمال البحث والتنقيب مستقبلاً.
كنيسة من القرنين الخامس والسادس
ومن المفاجآت التي كشفت عنها الحفائر في المنطقة العثور جنوب المعبد على بقايا كنيسة ذات طراز بازيليكي، تتكون من ثلاثة أروقة طولية تفصل بينها صفان من الأعمدة.
ومن خلال كسر الفخار التي عثر عليها بالموقع، أمكن تأريخ الكنيسة إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، لتؤكد هذه البقايا أن المكان لم يتوقف عن أداء دوره بعد العصور المصرية القديمة، وإنما واصل حضوره خلال عصور لاحقة.
وهكذا تكشف الهجارسة، مثل أتريبس، عن طبقات متتابعة من التاريخ، حيث تتجاور آثار العصور القديمة مع شواهد مسيحية تعود إلى القرون الأولى للميلاد.
متحف مفتوح.. حين تعود الأحجار إلى مكانها
وتنتهي الرحلة داخل الموقع عند المتحف المفتوح، حيث يمكن مشاهدة إعادة تركيب عدد من الكتل الحجرية التي كانت جزءا من واجهة المعبد، وهناك تظهر بقايا المدخل والكورنيش والأعتاب المحمولة على أعمدة تعلوها تيجان على هيئة وجه المعبودة حتحور، في مشهد يعيد جزءًا من الصورة التي كان عليها المكان في عصور ازدهاره.
سوهاج.. متحف مفتوح على ضفاف النيل
حكاية أتريبس والهجارسة ليست مجرد قصة موقعين أثريين، وإنما جزء من الحكاية الأكبر لسوهاج المحافظة التي تختزن فوق أرضها وتحت رمالها وصخورها صفحات متعاقبة من تاريخ مصر فمن المعابد البطلمية والرومانية، إلى المقابر المنحوتة في الجبال، ومن البيوت القديمة المشيدة بالطوب اللبن إلى الكنائس التي ظهرت في عصور لاحقة، تبدو سوهاج وكأنها متحف مفتوح تتجاور داخله الحضارات، وتترك كل واحدة منها أثرا يروي شيئا من قصة المكان.
وربما تكون أجمل ما في هذه الحكاية أن كثيرا من فصولها لم تكتب بعد، فما زالت الحفائر تكشف الجديد، وما زالت الرمال تخفي أسرارًا تنتظر من يزيح عنها الستار، لتظل «حكاية مكان» في سوهاج.. حكاية لا تنتهي.











التعليقات