إن الأزهر ينبغي أن يشجع هذه الأعمال الدرامية، وأن يشارك في صناعتها، ويقوم على مراجعتها وإخراجها في أتم صورة؛ فهي إحدى الوسائل المهمة للوصول إلى الحشود، وتعريفهم بأئمتهم وأعلامهم، وإطلاعهم على تاريخهم. ففي عالمنا العربي، حيث تتراجع القراءة ويقل الاطلاع، حتى بين النخبة المتعلمة، أصبحت الحاجة ملحة إلى وسائل جديدة لنشر المعرفة، وفتح أبواب الثقافة أمام الملايين ممن لا يقرأون.
وفي ظل هذا الإعراض عن الكتاب، لماذا لا نجعل من الدراما كتابًا مرئيًا، يشاهده الملايين، ويطلعون من خلاله على تاريخهم وأعلامهم؟ إن مساهمة الأزهر في هذه الأعمال ليست خروجًا عن رسالته، بل هي لون من ألوان الدعوة، ووسيلة من وسائل نشر المعرفة وتصحيح المفاهيم. وليس الأمر مقصورًا على الدراما التلفزيونية، بل يمتد إلى السينما أيضًا؛ فهذه هي وسائل التأثير في عصرنا، وهي أقدر على الوصول إلى الجماهير من آلاف الخطب التي تعلو فيها الأصوات، وتبح فيها الحناجر، ولا يصل أثرها إلا إلى عدد محدود من الناس، وربما جاءت نتائجها على خلاف ما أراد أصحابها، حين تفتقر إلى الإعداد الجيد والإقناع والإتقان.
أما العمل الدرامي، إذا أُحسن إعداده، وخضع للمراجعة والدراسة، وأُخرج في صورة فنية متقنة، فإنه يستطيع أن يحمل رسالة إلى الملايين، وأن يفتح أمامهم أبوابًا من المعرفة، ويصحح ما استقر في أذهانهم من مفاهيم خاطئة، أو ما تعرض له التاريخ من افتراءات وأحكام جائرة. فالمضمون هو الذي ينبغي أن يكون مدار الاتفاق والاختلاف، وأن يكون عرض الحقائق بأمانة هو الهدف الذي نسعى إليه.
وقد يضحك البعض ساخرًا من هذه الدعوة، ويوافقهم آخرون في سخريتهم، لكننا اعتدنا أن نتأخر كثيرًا في إدراك الحقائق والاعتراف بها. فكثيرًا ما نرفض أمرًا، ونحاربه، ونحرمه، ثم تمر الأيام فنعود إليه، ونراه جائزًا، بل قد نراه واجبًا ندعو إليه. غير أن هذا التردد يكلفنا كثيرًا، ويجعلنا نتخلف عن الآخرين، وندخل عوالم سبقونا إليها منذ زمن بعيد، فنبدو كالأطفال بينهم، نلهث وراء ما أدركوه من علم وإتقان، ثم نتحسر على ما فاتنا بعد فوات الأوان.
والغريب أن هذا المشهد يتكرر في قضايا كثيرة، دون أن نتعلم من أخطائنا أو نعي الدرس. فهل الأزهر اليوم هو الأزهر نفسه منذ خمسين عامًا أو مائة عام؟ لا شك أنه يتغير ويتحرك، لكنه يتحرك ببطء شديد نحو بعض القضايا الكبرى، في خوف ووجل، وكثيرًا ما يبدو أسيرًا للعادات والتقاليد، أو متأثرًا بما تستقر عليه آراء الجماهير.
إن المؤسسة الدينية التي ينبغي أن تكون باحثة عن الحقيقة لذاتها، لا يصح أن تجعل رضا الأغلبية معيارًا للحكم، فتقر ما يوافق أهواء الناس، وترفض ما يخالفها، ثم تعود بعد سنوات لتتبنى الرأي الذي كانت تحاربه بالأمس. فالحقيقة لا تتغير بتغير أهواء الجماهير، وما كان خطأ لا يصبح صوابًا لمجرد أن الناس اعتادوه، وما كان صوابًا لا ينبغي أن يُرفض خوفًا من معارضة الناس.
ولعل تاريخنا شاهد على ذلك؛ فقد عارض بعض العلماء التعليم المدني، وتعلم اللغات، والعلوم والجغرافيا، ورأى بعضهم فيها وسائل لطمس معالم الدين، لأنها علوم جاءت من الغرب. كما ثارت خلافات حول أمور بسيطة، مثل استعمال أعواد الثقاب، وبلغ الجدل في بعض المسائل حد التكفير والتبديع، وكأن الأمة لا ينقصها إلا أن تتطاحن حول تفاصيل لا تستحق كل هذا الصراع.
ثم مضت الأيام، وأصبحت هذه العلوم من ضروريات الحياة، وصار طلبها واجبًا، وأصبح من يقصر فيها موضع لوم. وهكذا نعود إلى ما أنكرناه، ونقر بما حاربناه، بعد أن يكون الآخرون قد سبقونا إليه بعقود. إننا لا نرفض الاختلاف، وإنما نرفض أن يتحول الخوف من الناس إلى عائق أمام التفكير، وأن تصبح العادات والتقاليد حاكمًا على الحقيقة.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى مقاطعة الأعمال الدرامية التي تتناول التاريخ الإسلامي، أو تحريم مشاهدتها قبل الاطلاع عليها ودراستها، قد تأتي بنتائج عكسية. فالعمل الفني الجيد قد يفرض نفسه بقوته، وقد يدفع المنع بعض الناس إلى مشاهدته بدافع الفضول، فالممنوع مرغوب كما يقولون. وحين يشاهده الناس ويعجبون به، قد يبدو لهم أن الأزهر قد أصدر حكمًا جائرًا، أو أنه حكم على أمر لم يطلع عليه ولم يدرسه.
فما الذي يمنع الأزهر من أن يكون له دور في النقد والتحليل والتعقيب؟ أن يشاهد العمل، ويناقش مضمونه، ويبين ما فيه من صواب أو خطأ، ويعرض رؤيته بالحجة والدليل، سواء انتهى إلى تأييده أو رفضه. إن هذا هو الدور الذي نريده؛ أن يحكم على بينة، وبعد دراسة ومعرفة، لا أن يصدر أحكامًا مسبقة على أعمال لم يشاهدها، أو على قضايا لم يُحط بها علمًا.
إن قراءة كتاب عن معاوية، أو عن حياة أحد الصحابة، لن تصل إلا إلى عدد محدود من المهتمين بالتاريخ الإسلامي. أما حين تتحول هذه السيرة إلى مسلسل تلفزيوني، فإنها تصبح متاحة لآلاف وملايين ممن لا يقرأون، أو ممن لا تتسع ثقافتهم إلى ما بعد كتب الدراسة وتخصصاتهم. وفي بيئتنا العربية، حيث لا يزال الكتاب بعيدًا عن قطاعات واسعة من الناس، قد تكون الشاشة هي الجسر الممهد للوصول إلى عقولهم وقلوبهم.
إن تجسيد الشخصيات التاريخية يجعلها أكثر حضورًا وانتشارًا، ويمنح الناس فرصة للتعرف إليها، بدلًا من أن تظل مجرد أسماء عابرة في صفحات الكتب. فكثيرون لا يعرفون عن معاوية إلا اسمه، وبعض المعلومات العامة عن الصراع الذي دار بينه وبين علي بن أبي طالب، عقب مقتل عثمان بن عفان. فكيف نترك تاريخًا بهذه الأهمية حبيس الكتب، بينما يمكن أن نقدمه إلى الناس في عمل فني متقن، يفتح أبواب المعرفة والنقاش؟
إننا بحاجة إلى أن نطلع على تاريخنا، وأن نعرض رؤيتنا له، دون تعصب أو مباغضة، وأن نترك لكل إنسان حرية الاعتقاد والرأي. فالتاريخ ليس ملكًا لفئة بعينها، ولا ينبغي أن يصبح وسيلة لتغذية الخصومات القديمة، وإنما هو مجال للبحث والمعرفة، واستخلاص الدروس والعبر.
أما تجسيد الشخصيات التاريخية في الأعمال الفنية، فلا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إساءة إليها في ذاته. فالممثل الذي يؤدي دورًا تاريخيًا لا تربطه بالشخصية التي يجسدها علاقة تتجاوز الجانب الفني، ومدى قدرته على إتقان الدور. ونحن نحب كثيرًا من الممثلين الذين أدوا أدوار الشر، ونعرف أن براعتهم في تجسيد تلك الشخصيات لا تعني أنهم يحملون طبائعها أو يؤمنون بأفعالها. وفي المقابل، هناك من أدى أدوار الخير والطيبة، فلم ينل منا الحب والتقدير، أو حتى القبول. فليس من المنطق أن نخلط بين الممثل والشخصية التي يؤديها، أو أن نجعل مجرد التجسيد الفني انتقاصًا من قدر الشخصيات التاريخية. إنما ينبغي أن يكون الحكم على العمل من خلال مضمونه، ومدى أمانته في عرض الحقائق، وقدرته على تقديم صورة فنية جادة تليق بما تتناوله من أحداث وشخصيات.
إن تاريخنا الإسلامي مليء بالأعلام والقادة الذين لا يعرف الناس عنهم إلا القليل، وربما كان بعضهم أحق بالمعرفة والاقتداء من كثيرين نعرفهم اليوم. فكيف نعرف هؤلاء، وكيف نطلع على سيرهم، إذا أغلقنا أمامهم أبواب الدراما والسينما؟ وكيف نصل إلى جمهور لا يقرأ، إذا أصررنا على أن تكون الكتب وحدها وسيلتنا إلى المعرفة؟
إننا لا نطالب الأزهر بأن يوافق على كل عمل فني، ولا أن يتخلى عن حقه في النقد والتقويم، وإنما نطالبه بأن يكون حاضرًا في هذه الصناعة، مشاركًا في إعدادها ومراجعتها، وأن يقدم رأيه بعد المشاهدة والدراسة، لا قبلها. فالمضمون هو الذي ينبغي أن يكون مجال الاتفاق والاختلاف، والحقائق هي التي يجب أن تكون مدار المناقشة والحوار.
لقد أصبحت الدراما والسينما من أهم وسائل التأثير في عالمنا المعاصر، ومن الخطأ أن نتركهما بعيدًا عن مؤسساتنا الثقافية والدينية، ثم نكتفي بالاعتراض على ما تقدمانه. فبدلًا من أن نكتفي بالمنع والتحذير، علينا أن نشارك في صناعة أعمال فنية تحمل رسالتنا، وتعرض تاريخنا، وتصحح مفاهيمنا، وتصل إلى الناس حيث هم.
إنها دعوة إلى أن نكون جزءًا من صناعة الوعي، لا مجرد متفرجين عليها؛ وأن ننتقل من الخوف من الفن إلى امتلاك أدواته، ومن إصدار الأحكام المسبقة إلى النقد المستنير، ومن الانكفاء على الماضي إلى تقديمه للأجيال الجديدة في صورة تليق بعقولها.
فهل نملك الشجاعة لنفعل ذلك، أم سنظل نرفض اليوم ما سنعود غدًا لنقره، بعد أن يكون الآخرون قد سبقونا إليه؟


التعليقات