أكدت الدكتورة فاتن صلاح سليمان، عضو هيئة خبراء التراث العرب واتحاد الأثريين المصريين، أن الأزياء ليست مجرد ملابس للارتداء، وإنما تمثل «وثيقة تاريخية» وبطاقة هوية بصرية تسجل ملامح المجتمع وتطوره وثقافته عبر آلاف السنين، بدءًا من جدران المعابد الفرعونية وصولًا إلى التصاميم المعاصرة.
وأوضحت سليمان، خلال استضافتها في برنامج «ستوديو إكسترا» المذاع عبر فضائية «إكسترا نيوز»، أن رحلة الزي المصري بدأت منذ عصور ما قبل التاريخ والدولة القديمة بأشكال بسيطة لتسهيل الحركة والصيد، قبل أن تبلغ قمة إبهارها في عصر الدولة الحديثة، بما تضمنته من تفاصيل دقيقة للحلي والباروكات والألوان والأكسسوارات، مشيرة إلى أن هذه المرحلة تعد الأكثر استلهامًا في السينما والدراما العالمية.
تنوع نسيجي وحضاري عبر العصور
واستعرضت خبيرة التراث محطات التمازج الحضاري في تاريخ النسيج المصري، مشيرة إلى ازدهار «النسيج القبطي» والتونيك بزخارفه المميزة، ثم مرحلة الفتح العربي ودخول المسلمين، التي أثرت الأزياء بتصاميم وموتيفات متعددة خلال العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية.
وأضافت أن هذا التنوع امتد إلى عصر محمد علي، الذي شهد ازدهار «الذهب الأبيض»، في إشارة إلى القطن المصري طويل التيلة، الذي غزا الأسواق العالمية، إلى جانب لوحات المستشرقين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومن بينهم إدوارد وليم لين، والتي حفظت أشكال الثياب المصرية بدقة.
بصمة الأقاليم وتفاصيل تكشف الحالة الاجتماعية
وأشارت الدكتورة فاتن صلاح سليمان إلى أن مصر تنفرد بتنوع إقليمي واسع، يجعل لكل منطقة زيًا خاصًا وموتيفات، أي نقوشًا وزخارف، مميزة تعكس بيئتها وثقافتها.
وأوضحت أن سيناء تتميز بالثوب السيناوي المطرز بالخيوط الحمراء، إلى جانب البرقع وغطاء الرأس، مع اختلاف تفاصيلها بين الشمال والجنوب.
وفي الواحات، أشارت إلى أن الأثواب تعكس من خلال تصميمات الياقات وألوانها الحالة الاجتماعية للمرأة، موضحة أن فتحة الياقة الطولية ترمز إلى الفتاة غير المتزوجة، والمربعة إلى المتزوجة، بينما يرمز اللون الأبيض إلى العروس والأسود إلى المتزوجة.
أما النوبة، فأوضحت أن من أبرز أزيائها ثوب «الجرجار» الأسود الشفاف المصنوع من التل والمزين بالكرانيش، والذي يُرتدى فوق أثواب ملونة مبهجة.
وفي الصعيد، خاصة أسيوط وقنا وإسنا، أشارت إلى قماش «التلّي» الأسيوطي المطرز بخيوط الفضة، إلى جانب أزياء الحبرة والجبة.
فلسفة ودلالات الألوان لدى المصري القديم
وبيّنت عضو اتحاد الأثريين أن الألوان في مصر القديمة حملت معاني ورمزيات دقيقة ولم تكن عشوائية، موضحة أن الأبيض «حدج» كان رمزًا للنقاء والقداسة والولادة السماوية، ولذلك ارتداه الكهنة، كما كان لونًا للحداد والحزن.
ريادة عالمية واستعادة للهوية الوطنية
واختتمت الدكتورة فاتن صلاح سليمان حديثها بالتأكيد على أن ابتكارات الأزياء المصرية القديمة، مثل الملابس ذات الكسرات «البليسيه» الظاهرة في مقبرة الملكة نفرتاري، ورداء «الكاب» «إيزيس»، والشال، شكلت خطوط موضة استلهمتها بيوت الأزياء العالمية منذ ستينيات القرن الماضي وحتى هوليوود، التي ارتدت نجماتها قماش التلّي.
وأشادت بالمبادرات الوطنية الحالية وورش العمل التي تدعم المرأة لتعليم الفتيات الحرف التراثية المهددة بالاندثار، إلى جانب استعادة الموتيفات التاريخية في الأزياء الحديثة لترسيخ الهوية المصرية واستثمارها كقوة ناعمة.


التعليقات