خسائر قطع الأشجار.. كم تدفع مصر ثمن فقدان رأسمالها الأخضر؟

خسائر قطع الأشجار.. كم تدفع مصر ثمن فقدان رأسمالها الأخضر؟

لا تتوقف تكلفة فقدان الأشجار في القاهرة عند مشهد اختفاء المساحات الخضراء من الشوارع، بل تمتد إلى فاتورة اقتصادية تتحملها المدينة وسكانها عبر ارتفاع احتياجات التبريد، وتراجع جودة الهواء، وزيادة التعرض للحرارة.

ومع فقدان القاهرة الكبرى نحو 900 ألف متر مربع من المساحات الخضراء خلال الفترة من 2017 إلى 2020، وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تبرز تساؤلات حول القيمة الاقتصادية التي تخسرها المدينة مع كل شجرة تُزال، وهل يمكن لزراعة شتلات جديدة أن تعوّض ما تقدمه الأشجار المعمرة من خدمات بيئية واقتصادية؟

تكشف بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن القاهرة الكبرى فقدت نحو 900 ألف متر مربع من المساحات الخضراء خلال الفترة من 2017 إلى 2020، كما بلغ نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة نحو 0.74 متر مربع في 2020، مقابل مستهدف يبلغ 3 أمتار مربعة للفرد في رؤية 2030.

وتكتسب هذه الأرقام وزنًا اقتصاديًا؛ لأن المساحات الخضراء ليست مجرد عنصر تجميلي، وفقًا للمنظمة، وإنما تؤدي وظائف توفير الظل وامتصاص المياه وتبريد البيئة المحلية والحد من تأثير "الحرارة الحضرية" بجانب تحسين جودة الهواء والتنوع البيولوجي. أين ذهبت أشجار جامعة الدول بعد قطعها؟.. مسؤولان يكشفان مصيرها وأموال بيعها وتزداد أهمية هذه الوظائف الاقتصادية في القاهرة مع ارتفاع مخاطر الحرارة، فقد خلصت دراسة حديثة منشورة في دورية Urban Forestry & Urban Greening عام 2026 إلى أن المساحات الخضراء القائمة تعزز إنتاجية العمالة الخارجية بنحو 10% إلى 14% من خلال تخفيف التعرض للحرارة، بينما يمكن لتطوير المساحات الخضراء بصورة مستهدفة أن يرفع قدرتها على التبريد بنحو 1.2 درجة مئوية في بعض السيناريوهات. "قطع ممنهج للأشجار".. بلاغ للنائب العام يطالب بالتحقيق في وقائع بعدة محافظات

الشجرة تخفّض فاتورة الكهرباء.. لكن ليس بالمجان

في دراسة منشورة في دورية Building and Environment اختبرت سيناريوهات مختلفة للتشجير في مناطق عمرانية بالقاهرة، ووجدت أن سيناريو تغطية الأشجار بنسبة 50% في منطقة عالية الكثافة أدى إلى خفض درجة حرارة الهواء بنحو 0.5 درجة مئوية ليلًا ونحو درجة مئوية نهارًا، كما أظهرت الدراسة أن الأشجار يمكن أن تقلل استهلاك الطاقة في المباني من خلال تخفيف الحرارة وتحسين الأداء الحراري.

وفي دراسة أخرى شملت منطقتي إمبابة والسلام، خلص الباحثون إلى أن الأشجار في المناطق عالية الكثافة يمكن أن تخفض درجات الحرارة وتقلل استهلاك الكهرباء، وسجل سيناريو تغطية الأشجار بنسبة 50% في إمبابة توفيرًا بلغ 12 كيلووات/ساعة في يوم صيفي نموذجي للمبنى محل الدراسة، وقدرت الدراسة الوفر السنوي في فاتورة الكهرباء بنحو 5616 جنيهًا لهذا النموذج تحديدًا.

ولا تقتصر الخسارة الاقتصادية الناتجة عن تراجع الغطاء الشجري على زيادة الطلب على التبريد؛ فـتلوث الهواء نفسه له فاتورة اقتصادية مباشرة، إذ يقدر البنك الدولي أن التكلفة الاقتصادية السنوية للتلوث الهوائي على الصحة في القاهرة الكبرى تعادل نحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر ويشمل الأعباء الصحية والآثار المرتبطة بتراجع الرفاه والإنتاجية.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO إلى أن الأشجار الحضرية تؤدي دورًا في إزالة بعض ملوثات الهواء واحتجاز الكربون وتوفير الظل وتخفيف ظاهرة الجزيرة الحرارية، كما يمكنها تقليل جريان مياه الأمطار والمساعدة في حماية البنية التحتية من بعض آثار الطقس المتطرف. لميس الحديدي تعلق على زيادة صادرات الفحم النباتي وتطالب الحكومة بتوضيح المصادر

لا يمكن استبدال 50 عامًا بشَتلة

أثارت الأشجار المزالة من منطقة جامعة الدول العربية انتقادات بسبب كون بعضها أشجارًا معمرة، فيما تحدث أستاذ الزراعة والموارد المائية الدكتور نادر نور الدين عن أشجار عمرها عشرات وربما مئات السنين، مشيرًا إلى عمق جذورها وقدرتها على الوصول إلى المياه الجوفية السطحية في تربة المنطقة.

على جهة أخرى، الشتلة الجديدة تحتاج سنوات من النمو والري والصيانة حتى تقترب من حجم الشجرة القديمة وقدرتها على توفير الظل والتبريد والخدمات البيئية، لذلك فإن استبدال عدد الأشجار بعدد مماثل من الشتلات لا يعني بالضرورة استعادة القيمة الاقتصادية نفسها.

أعلنت وزارة البيئة عقب الحوار المجتمعي الذي جاء على خلفية أزمة قطع الأشجار، مجموعة من الإجراءات، بينها تسريع مبادرة 100 مليون شجرة، ووجود كيان مسؤول عن التشجير، وعدم قطع الأشجار إلا بتصريح ومن خلال لجان مختصة وللضرورة القصوى، بجانب تقنين عمليات التقليم وإنشاء مشتل في كل حي واختيار أنواع الأشجار ذات المردود الاقتصادي. رئيس حي العجوزة يحسم الجدل بشأن إزالة الأشجار بشارع جامعة الدول العربية

ووفق بيانات حكومية، تستهدف المبادرة زراعة 100 مليون شجرة خلال 7 سنوات حتى 2029، وإنشاء نحو 6600 فدان من الغابات والحدائق في 9900 موقع على مستوى الجمهورية، كما تشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي ما تم زراعته منذ انطلاق المبادرة وحتى 2025/2026 بلغ نحو 12.8 مليون شجرة.

وفي السنة الأولى وحدها، جرى توريد وزراعة نحو 7.7 مليون شجرة بتكلفة إجمالية بلغت 200 مليون جنيه، وفق البيانات الحكومية الخاصة بالمبادرة، ما يعكس وجود تكلفة مالية مباشرة لخلق أصل أخضر جديد، بخلاف تكاليف الري والصيانة والرعاية اللاحقة. أين ذهبت أشجار جامعة الدول بعد قطعها؟.. مسؤولان يكشفان مصيرها وأموال بيعها

فاتورة القطع لا تساوي سعر الخشب

تحذر الأمم المتحدة للبيئة في تقريرها State of Finance for Nature 2026 من تجاهل القيمة الاقتصادية للطبيعة؛ ففي 2023 تدفقت 7.3 تريليون دولار إلى أنشطة ذات تأثير سلبي على الطبيعة، مقابل 220 مليار دولار فقط للحلول القائمة على الطبيعة، أي نحو 30 دولارًا من التمويل ذي التأثير السلبي مقابل كل دولار لدعم الطبيعة.

وتقدر المنظمة أن تمويل الحلول القائمة على الطبيعة يحتاج إلى الارتفاع إلى 571 مليار دولار سنويًا بحلول 2030 لتحقيق الأهداف المناخية واستعادة الأراضي والتنوع البيولوجي.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.