على مدار أكثر من 40 عامًا، اختار زين العابدين محمد، البالغ من العمر 64 عامًا، أن يظل وفيًا لمهنة تعلمها في صغره على يد والده، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من حياته وذاكرته، يواصل ممارستها يوميًا رغم تغير الزمن وتطور التكنولوجيا، ليحافظ بيديه على حرفة تراثية قديمة يخشى عليها من الاندثار، وهى مهنة تخريم و تجليد الكتب والمصاحف بأسوان..
عرض المحتوى المنشور على facebook ↗داخل ورشته الصغيرة، يقضي زين العابدين ساعات يومه وسط أصوات ماكينات التخريم، وحركة الأوراق وأغلفة الكتب، حيث تحولت الأدوات التي رافقته لعشرات السنين إلى جزء من تفاصيل يومه، وأصبح التعامل معها أشبه بلغة خاصة لا يجيدها إلا أصحاب الخبرة الطويلة.
المهنة بدأت من الأب
يحكي زين العابدين لـ"اليوم السابع"، أنه تعلم المهنة من والده منذ أن كان صغيرًا، فكان يراقبه أثناء العمل ويحاول تقليده، حتى تمكن مع مرور السنوات من إتقان كل تفاصيلها، بداية من تجهيز الأوراق وترتيبها وتخريمها، وصولًا إلى التجليد والتغليف بالشكل الذي يحافظ على الكتاب ويمنحه عمرًا أطول.
ومع مرور أكثر من أربعة عقود، لم يعد الرجل مجرد صاحب حرفة، وإنما أصبح واحدًا ممن يحملون ذاكرة هذه المهنة ويحافظون على استمرارها، في وقت تراجعت فيه الكثير من الحرف اليدوية أمام انتشار الوسائل الحديثة والطباعة الرقمية.
15 دقيقة تكفي لتجليد الكتاب
بخبرة السنوات، يستطيع زين العابدين إنجاز عملية تجليد وتغليف الكتاب في وقت قصير، قد لا يتجاوز 15 دقيقة، خاصة عندما تكون هناك عدة نسخ من الكتاب نفسه، بعدما أتقن خطوات العمل وأصبح يعرف طبيعة كل خامة وكيفية التعامل معها.
ويؤكد أن سر البراعة في هذه المهنة لا يعتمد على استخدام الماكينات فقط، وإنما يحتاج إلى الدقة والصبر والخبرة، فكل ورقة لها ترتيبها، وكل غلاف يحتاج إلى قياس مناسب، وأي خطأ بسيط قد يؤثر على الشكل النهائي للكتاب.
المصحف له معاملة خاصة
لا يتعامل زين العابدين مع المصاحف باعتبارها مجرد كتب تحتاج إلى التجليد، وإنما يوليها عناية خاصة، للحفاظ عليها وصيانتها، خاصة المصاحف القديمة التي تحتاج إلى إعادة تغليف أو تجليد حتى تظل صالحة للاستخدام لأطول فترة ممكنة.
ومن بين مواقفه الإنسانية، قيامه بتغليف وتجليد المصاحف بالمجان، دون الحصول على أي مقابل مادي، معتبرًا أن الحفاظ على كتاب الله وإصلاح المصحف عمل من أعمال الخير التي يسعد بتقديمها.
حرفة يواجه بها الزمن
بينما تغيرت ملامح المهن والحرف خلال العقود الماضية، ظل زين العابدين متمسكًا بمهنته التي ورثها عن والده، يفتح ورشته ويبدأ يومه على أصوات الماكينات، وكأنه يعيد كل صباح مشهدًا من زمن قديم مازال حاضرًا.
فالرجل الذي بدأ رحلته مع تجليد الكتب وهو طفل، أصبح اليوم في الرابعة والستين يحمل على عاتقه مهمة أكبر من مجرد العمل؛ وهي الحفاظ على حرفة تعلمها من والده، حتى لا تختفي تفاصيلها وخبراتها مع مرور الزمن.
وفي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، تظل يدا زين العابدين شاهدة على أن بعض المهن لا تحفظها الماكينات الحديثة، وإنما يحفظها أصحابها الذين يؤمنون بقيمتها، ويصرون على نقلها من جيل إلى آخر، لتظل حاضرة..









التعليقات