في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع الزراعة بسبب محدودية الموارد المائية والتغيرات المناخية، تتجه الأبحاث الزراعية إلى تطوير أدوات أكثر دقة لقياس الاحتياجات المائية للمحاصيل، بما يساعد على تحسين كفاءة استخدام مياه الري وترشيد الاستهلاك.
ومن بين هذه الابتكارات يبرز ابتكار الدكتور عبد التواب متولي إبراهيم زيدان، أستاذ الهندسة الزراعية وهندسة الري بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، تحت عنوان «الليسيمتر المتجانس.. جهاز قياس الاحتياجات المائية للمحاصيل الزراعية»، والذي يستهدف تطوير طريقة أكثر دقة لإنشاء الليسيمتر والحفاظ على الخصائص الطبيعية للتربة الموجودة داخله.

الابتكار يعالج مشكلة في الليسيمترات التقليدية
ويستخدم الليسيمتر في قياس الاستهلاك المائي الفعلي للمحاصيل أو ما يعرف بالبخر-نتح، من خلال متابعة مكونات الاتزان المائي داخل منطقة نمو النبات.
وتكتسب هذه القياسات أهمية كبيرة في تحديد كميات المياه التي يحتاجها المحصول فعليا، بما يساعد في وضع جداول ري أكثر دقة وتقليل الفاقد وتحسين إدارة الموارد المائية.
إلا أن دقة النتائج ترتبط بدرجة كبيرة بمدى تمثيل التربة داخل الليسيمتر للتربة الطبيعية الموجودة في الحقل، وهي المشكلة التي حاول الابتكار الجديد معالجتها من خلال تغيير طريقة تركيب الجهاز.
من نقل التربة إلى إدخال الجهاز داخلها
في الطرق التقليدية لإنشاء الليسيمتر، يتم حفر التربة على طبقات ثم إخراجها ونقلها وإعادة تعبئتها داخل الصندوق، وهي عملية قد تؤدي إلى تغير بعض الخصائص الطبيعية للتربة نتيجة الحفر والنقل والتعرض للهواء والشمس وإعادة الدمج.
أما التصميم الجديد فيعتمد على صندوق أسطواني مفتوح من أعلى وأسفل، يبلغ قطره نحو 1.6 متر وارتفاعه 1.6 متر، يتم وضعه فوق التربة في الموقع المستهدف، ثم الحفر تدريجيا حول محيطه بعمق يقارب 20 سنتيمترا في كل مرحلة.
ومع استمرار الحفر ينزلق الصندوق تدريجيا إلى داخل التربة حتى يصل إلى العمق المطلوب، دون اقتلاع كتلة التربة الموجودة داخله وإعادة تعبئتها مرة أخرى.
الحفاظ على التربة لرفع دقة القياسات
وتستهدف هذه الطريقة الحفاظ على البناء الطبيعي للتربة وخصائصها الفيزيائية قدر الإمكان، بما يجعل التربة داخل الليسيمتر أكثر تجانسا مع التربة المحيطة بها.
وبعد وصول الصندوق إلى العمق المطلوب، يتم تركيب الغطاء السفلي ومكونات الفلترة والصرف والقياس، إلى جانب أنابيب قياس التسرب والرطوبة ومنظومة تغذية الجهاز بمياه الري.
ومن خلال هذه المنظومة يمكن حساب الاستهلاك المائي الفعلي للمحصول وفقا لمعادلة الاتزان المائي التي تعتمد على مياه الري والأمطار والصرف والتغير في المحتوى الرطوبي للتربة.
من البحث العلمي إلى إدارة مياه الري
ولا تقتصر أهمية الابتكار على استخدامه داخل التجارب البحثية، إذ يمكن للبيانات التي يوفرها أن تسهم في تحسين تقديرات الاحتياجات المائية للمحاصيل ووضع جداول ري أكثر دقة وتحديد المقننات المائية بصورة أفضل.
كما يمكن الاستفادة من نتائج القياسات في إعداد قواعد بيانات للاحتياجات المائية للمحاصيل وفقا للمناطق والظروف الزراعية المختلفة، بما يدعم التخطيط للتوسع الزراعي وإدارة الموارد المائية.
أداة لمعايرة نماذج حساب الاحتياجات المائية
ومن الاستخدامات العلمية المهمة لنتائج الليسيمتر إمكانية الاستفادة منها في معايرة الطرق والنماذج الحسابية المستخدمة لتقدير استهلاك المحاصيل للمياه.
وبذلك لا يصبح الجهاز مجرد وسيلة لقياس استهلاك المياه في تجربة محددة، وإنما يمكن أن يمثل أداة مرجعية لتحسين دقة الحسابات والنماذج المستخدمة في دراسات الري وإدارة المياه الزراعية.
علي عبد العزيز: الابتكار يجب أن يتحول إلى تطبيق
وأكد الأستاذ الدكتور علي عبد العزيز، رئيس مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة ومؤسس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، أن ابتكار الليسيمتر المتجانس يعكس أهمية البحث التطبيقي في التعامل مع التحديات التي تواجه الزراعة المصرية.
وأوضح أن قضية المياه ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الزراعة، مشيرا إلى أن تطوير أدوات تساعد على تحسين دقة البيانات الخاصة بالاحتياجات المائية للمحاصيل يمكن أن يدعم قرارات الري وإدارة الموارد المائية.
وأشار إلى أن قيمة الابتكار لا تتوقف عند المشاركة في المسابقات أو الحصول على التقدير، وإنما ترتبط بقدرته على الانتقال من الإطار الأكاديمي إلى التطبيق والاستفادة منه داخل المؤسسات البحثية والمشروعات الزراعية.
دولة الابتكار الزراعي.. حلقة وصل بين الباحث والقطاع الزراعي
وتبرز تجربة الليسيمتر المتجانس أهمية وجود منصات تعمل على اكتشاف البحوث التطبيقية وربط أصحاب الابتكارات بالجهات القادرة على تطويرها وتطبيقها.
وتستهدف المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي » إلقاء الضوء على الحلول البحثية التي تتعامل مع مشكلات حقيقية في القطاع الزراعي، بما يفتح المجال أمام التعاون بين الباحثين والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والجهات التنفيذية.
وتأتي قضية المياه في مقدمة هذه التحديات، خاصة أن تحسين كفاءة استخدامها يبدأ من امتلاك بيانات دقيقة عن احتياجات المحاصيل الفعلية.
الابتكار الزراعي يبدأ من القياس الصحيح
ويكشف ابتكار الليسيمتر المتجانس أن تطوير إدارة مياه الزراعة لا يعتمد فقط على شبكات الري والتقنيات الحديثة، وإنما يبدأ أيضا من تحسين أدوات القياس التي تحدد احتياجات النبات.
فكلما زادت دقة قياس البخر-نتح والاستهلاك المائي الفعلي، أصبحت قرارات الري أكثر ارتباطا بالاحتياجات الحقيقية للمحصول، وهو ما يمكن أن يدعم ترشيد المياه وتحسين كفاءة استخدامها في الزراعة.
ومن هنا تأتي أهمية الابتكار الذي يقدمه الباحث المصري، باعتباره محاولة هندسية للحفاظ على البيئة الطبيعية للتربة داخل الليسيمتر وتحسين موثوقية البيانات التي تستخدم في دراسة الاحتياجات المائية للمحاصيل.


التعليقات