كيف قدم إيناريتو السياسة الأمريكية بوصفها مسرحية هزلية في ديجر؟

رامي سعيد
رامي سعيد

تتشابه الصور الكاريكاتورية للسياسة الأمريكية التي قدمها الفيلم الأمريكي Digger بصورة كبيرة مع فيلم Don't Look Up، لدرجة تشعر معها أن الفيلمين من رؤية مخرج واحد، وليس اثنين مختلفين: أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، المخرج المكسيكي، وآدم مكاي، الأمريكي.

مكاي وإيناريتو، على اختلاف فلسفتيهما، يكنان احتقارًا كبيرًا للصلافة الأمريكية في طريقة إدارتهما للأمور، لدرجة أن خاتمتي فيلميهما انتهتا إلى كارثة بيئية ناجمة عن الغشامة الأمريكية التي تتحكم في مقدرات هذا العالم من خلال حفنة من رجال الأعمال المهووسين بجمع المال.

في فيلم ديجر، الذي يعد نسخة ثانية من Birdman من حيث البناء والحكي الدرامي، نفاجأ في الثلث الأول من الفيلم بأن قصة رجل الأعمال الذي يتسبب في كارثة بيئية ما هي إلا حكاية من مسرحية يتم صناعتها أمامنا على الشاشة، لنرى خلالها طريقة الإعداد نفسها، وتداخل المشاعر بين الشخوص والأدوار التي يؤدونها، وعلاقتهم ببلادهم، وعلاقة أبطالهم بحكم البلاد التي أضحت، في تقدير المخرج، هزلية بامتياز.

إدارة الأزمة بالعبث

في المسرحية الأمريكية، يفاجأ رجل الأعمال «توم كروز» بكارثة ناجمة عن أعمال الحفر الجائر لشركته في جرينلاند. كانت الكارثة في بدايتها عندما جاءت إليه الأنباء، لكنه تجاهل الشق الذي أحدثه الحفر حتى تحول هذا الشق إلى صدع كبير فصل الجبل الجليدي عن موقعه، ليتحرك مباشرة ورأسًا نحو أوروبا عبر المياه الإقليمية.

الهزلي في الأمر هو طريقة تعاطي الإدارة الترامبية مع الأزمة؛ فعندما علم الرئيس، الذي يحاكي ترامب، أراد أن يتنصل من المسؤولية بإلقاء التهمة بشكل مباشر على الصين وروسيا، بينما ارتأى طاقمه ومستشاروه أن الحل هو مهاجمة الجبل الجليدي عسكريًا!

طبعًا، هذا الرأي رفضه العقلاء الأمريكيون الذين يمثلهم في الفيلم مسؤول علمي من أصل هندي، حاول جاهدًا أن يقنع المستشار العسكري بأن الخيار الحربي ليس حلًا.

فسأله الجنرال سؤالًا عبثيًا:

من أين أنت؟

من أمريكا.

لا، لا أعني ذلك.. أقصد أصولك؟

فرد العالم: الهند.

فهز القيادي رأسه بشموخ وقال: هل تظن أن دولة بعظمة الولايات المتحدة الأمريكية، بما تملكه من أسلحة حديثة، لا تستطيع أن تهزم جبلًا جليديًا تافهًا؟!

استحسنت الزمرة الترامبية من المستشارين العنصريين رد الجنرال الأمريكي على العالم، متصورين أن ما يفعلونه يرفع أمريكا درجات فوق الجميع، في حين أن سياستهم لم تضر أوروبا فحسب، وإنما أغرقت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، بعدما ألقوا عدة قنابل على الكتلة الجليدية جعلت جزءًا كبيرًا من الجبل الجليدي يغير وجهته إلى أمريكا.

الجنون الترامبي

يقدم المخرج المكسيكي إيناريتو لنا في Digger الرئيس الأمريكي كشخص مضارب ومهووس إلى أقصى حد، ليس هو فحسب، بل طاقمه السياسي والأمني أيضًا؛ فهم غير متوازنين، وممتلئون بأوهام تاريخية ودينية من الكتاب المقدس لا وجود لها. لم يخشَ إيناريتو أن يقدمهم لنا بصورة كاريكاتورية، حتى في صلواتهم؛ فقد كانوا عابثين لدرجة مثيرة للضحك وقت اتخاذهم قرارات مهمة وحاسمة أقدموا عليها بطريقة جنونية للغاية.

انهيار أمريكا كنبوءة

الجنون الترامبي، في تقدير مخرج Digger ومخرج فيلم Don't Look Up، لا يقود إلى انهيار أمريكا فحسب، بل إلى تدمير العالم الذي نعرفه. إنهما يقدمان إلينا هذا التصور كما لو كانا يقدمان إلينا نبوءة تلخص أمريكا بوصفها كائنًا أسطوريًا عملاقًا يتداعى، وأنه في حالة سقوطه لا يتهاوى في صمت، وإنما يقع بجسده الضخم على العالم ليقضي على كل حياة بداخله. إن أمريكا في صورتها الحالية تمثل للمخرجين الكبيرين صورة الشر المطلق الذي لا يقود العالم إلا نحو مسار واحد، وهو «الهلاك».

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.