قال الدكتور محمد عثمان ، خبير العلاقات الدولية، إن الإخراج الإسرائيلي لمشهد الاستيلاء على تلة علي الطاهر يهدف إلى التسويق الانتخابي في الداخل الإسرائيلي خلال المرحلة الحالية، موضحًا أن الاستيلاء على التلة كان أمرًا تسعى إليه إسرائيل منذ فترة طويلة، منذ إقرار وقف إطلاق النار أو منذ استيلائها على قلعة بوفور «قلعة شقيف» في جنوب لبنان.
تحصينات حزب الله في تلة علي الطاهر
وأوضح خبير العلاقات الدولية، خلال تواجده ضيفا بقناة القاهرة الإخبارية، أن الموقع كان يضم تحصينات كبيرة لحزب الله، وشبكة أنفاق، ومخازن للصواريخ، وأمورًا أخرى تتعلق بالبنية التحتية الخاصة به، مشيرًا إلى أن هذه الظروف سمحت لإسرائيل بإحراز ما وصفه بالانتصار الإعلامي، بعدما أمطرت المنطقة بالقصف خلال الأسابيع والأشهر الماضية، ثم استولت عليها بقوة السلاح وقامت في نهاية المطاف بنسفها.
وأشار الدكتور محمد عثمان إلى أنه كانت هناك خيارات ومسالك أخرى، وكان من الممكن أن يكون تسليم التلة إلى الجيش اللبناني أفضل، بدلًا من استيلاء إسرائيل عليها وبقائها حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي تحت السيطرة العملياتية، لافتًا إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس حذر من أن من يقترب من هذه المنطقة سيتم التعامل معه بالقوة القاتلة أو المميتة.
مسؤولية إسرائيل وحزب الله
وأكد أن إسرائيل تتحمل المسؤولية الأصيلة عما حدث، لكن حزب الله يتحمل أيضًا جزءًا من هذه المسؤولية.
وقال إن أحدًا لا يستطيع أن يدعي أن المسار الذي تسلكه الحكومة اللبنانية هو المسار الأمثل في ظل ظروف مثالية، موضحًا أن مسار التفاوض في ظل احتلال إسرائيل لمساحات كبيرة من الجنوب اللبناني، تصل إلى نحو 600 كيلومتر مربع، لا يمثل ظروفًا مثالية.
وأضاف أن الوسيط الأمريكي غير نزيه وغير محايد، ويتحامل على الجانب اللبناني ويضغط عليه للتقدم بمزيد من التنازلات، وفي الوقت ذاته يطلق يد إسرائيل في العبث بمقدرات لبنان.
الأسئلة حول المسار اللبناني
وأوضح أن طرح أسئلة مشروعة وإثارة تساؤلات وشكوك حول هذا المسار يختلف تمامًا عن اتهام الحكومة اللبنانية بأنها حكومة فيشي أو حكومة موالية لإسرائيل، مؤكدًا أن هذا الخطاب لا يعكس الحقيقة.
وأشار إلى أن الجيش اللبناني يسقط منه شهداء في الاعتداءات الإسرائيلية، ولا يملك القدرة على خوض حرب ضد إسرائيل والانتصار فيها، كما أن حزب الله لم يكن يملك القدرات التي تمكنه من الانتصار على إسرائيل.
وقال إنه قبيل حرب الإسناد لغزة، وحتى حرب إسناد إيران، كانت الأراضي اللبنانية بالكامل، باستثناء مزارع شبعا المتنازع عليها حتى مع سوريا، خالية من أي جندي إسرائيلي، بينما أصبح وجود الجيش الإسرائيلي، سواء على مسافة 10 كيلومترات أو 12 كيلومترًا أو 3 كيلومترات، داخل أراضٍ لبنانية.
تهجير اللبنانيين من الجنوب
وأوضح أن نحو 200 ألف لبناني هُجّروا من أراضيهم في جنوب لبنان ولا يستطيعون العودة حتى الآن، معتبرًا أن تلك هي النتائج الناجمة عن الاعتداء الإسرائيلي التي يجب التعامل معها.
وأكد الدكتور محمد عثمان أنه لا خلاف على أن إسرائيل هي المعتدية في هذا السياق، ولا يوجد مبرر للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، لكنه أشار إلى أن العالم ليس مثاليًا تحكمه العدالة والقيم، وأن هناك موازين قوى يجب مراعاتها.
السيادة والقرار اللبناني
وأوضح أن عنوان الأزمة في لبنان هو أن لبنان زُج به في حروب دون العودة إلى السلطة الشرعية، في افتئات على القرار السيادي اللبناني وحتى قرار الشعب اللبناني، مؤكدًا أنه لا يستطيع أحد احتكار تمثيل الشعب اللبناني، خاصة في ظل وجود سلطة شرعية منتخبة في لبنان.
وأشار إلى أن وصم الجيش اللبناني أو الدولة اللبنانية بالخيانة، في الوقت الذي يسلم فيه طرف آخر قراره لقوة أخرى، يمثل مشكلة، موضحًا أن آفة لبنان تتمثل في أن كثيرًا من الأطراف أو أغلب الأطراف الداخلية تسلم قرارها أو تعلق حساباتها على حسابات قوى أخرى دولية أو إقليمية، وهو ما يؤدي إلى الوضع الذي يراه لبنان اليوم.
الحكومة اللبنانية واتفاق عام 1983
وقال إن المسار الحالي ليس اتفاق عام 1983 الذي جرى بين أمين الجميل وإسرائيل، موضحًا أن الحكومة اللبنانية لم تتسرع نحو اتفاق للتطبيع والسلام، ولا حتى نحو اتفاق أمني، وإنما تتمسك بالانسحاب الإسرائيلي من آخر ذرة تراب في لبنان والحفاظ على السيادة اللبنانية، ولذلك فإن المفاوضات متعثرة حتى هذه اللحظة.
وأكد أن إسرائيل فرضت هذا الواقع الأليم، مع وجود وسيط غير نزيه ومتحامل على الجانب اللبناني، مشددًا على أنه لا يمكن محاسبة الحكومة اللبنانية على نتائج فُرضت عليها ولم تكن من صنعها في نهاية المطاف.
استمرار المواجهة مع إسرائيل
وأوضح أن الخيار الآخر هو الاستمرار في المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى وصول إسرائيل إلى نهر الليطاني، ثم نهر الأولي، وصولًا إلى بيروت وطرابلس، ساخرًا من تبرير كل مرحلة بالقول إن إسرائيل لم تصل إلى المرحلة التالية ولذلك فهي مهزومة.
وقال إنه سئم من هذا النوع من الخطاب، موضحًا أن الحكومة تحاول في نهاية المطاف التعامل مع الواقع، سواء أدى ذلك إلى نتائج مرضية، وهو أمر مستبعد، أو إلى نتائج متواضعة كما يحدث الآن، مؤكدًا أن تحجيم الخسائر أفضل من تعظيمها والاستمرار في مسار أدى إلى خراب لبنان، معتبرًا أن هذا هو السؤال الذي يعجز الجميع عن إجابته في الوقت الحالي.


التعليقات