تتحدث منابر مساجد مصر اليوم الجمعة عن مخاطر الألعاب الإلكترونية، وهو الموضوع الذي حددته وزارة الأوقاف .
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أرسى قواعد البيوت بالسكينة والقرار، وجعل الأسرة منبع الهدوء والاستقرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأسرة أساسا لبناء المجتمعات، وميدانا رحبا لغرس القيم والمكرمات، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أقام بيته على المحبة والوئام، وعلم أمته رعاية الأهل على الدوام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار، صلاة دائمة ما تعاقب الليل والنهار، وبعد، فيا عباد الله:
١- حافظوا على أوطانكم وعقول أجيالكم، واجعلوا صيانة العقول والأنفس من إدمان الألعاب الإلكترونية جزءا من رسالتكم لتحصين شبابكم وبناء أوطانكم، فالشريعة الإسلامية لم تأت لتكلف الإنسان ما يجاوز طاقته، ولا لتحمله على حياة لا تعرف إلا الجد والعمل، بل راعت فطرته، وأقرت حاجته إلى الترفيه والترويح عن النفس في حدود المباح، بعيدا عن الإضرار بالنفس أو تضييع الحقوق والواجبات، وقد تجلى هذا الهدي النبوي في مواقف متعددة، وتأمل كيف أقر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعب الحبشة في المسجد النبوي الشريف، وأتاح لأم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) أن تشاهد لعبهم، ثم إن مسابقته (صلى الله عليه وآله وسلم) لها، وملاطفته للصغير أبي عمير، تكشف لنا عن فهم نبوي عميق لطبيعة النفس الإنسانية التي تحتاج إلى ما يجدد نشاطها، ويدخل السرور عليها، استهداء بقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه».
٢- أيها المكرم، احذر استنزاف عمرك وتضييع واجباتك، فالوقت يمثل رأس مالك في هذه الحياة، ووعاء أعمالك ومسؤوليتك، ومن أخطر آثار الإفراط في ممارسة الألعاب الإلكترونية استنزاف الساعات الطويلة من عمرك، بحيث تنساق وراء جولات متتابعة منها، لا تشعر معها بانقضاء الوقت، فتؤخر صلاتك، وتهمل دراستك، أو تقصر في حقوق والديك وأسرتك ومجتمعك؛ وهنا يتحول الترويح من نشاط مباح إلى سلوك مذموم، وقد حذر القرآن الكريم من الانشغال باللهو والغفلة عن الآخرة ، فقال تعالى: {ٱقۡترب للناس حسابهمۡ وهمۡ فی غفۡلةࣲ معۡرضون ١ ما یأۡتیهم من ذكۡرࣲ من ربهم محۡدث إلا ٱسۡتمعوه وهمۡ یلۡعبون} [الأنبياء: ١-٢]، وقد نبه الجناب المعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قيمة الوقت فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، فاجعل لنفسك ترتيبا يوميا تنظم من خلاله وقتك بحكمة، واستثمر أيام شبابك فيما ينفعك في دينك ودنياك.
٣- وصن عقلك وبدنك من الإدمان الرقمي، فحفظ العقل والصحة النفسية أمانة عظيمة، فالتمادي في الألعاب الإلكترونية يجعل البيئة الرقمية تتجاوز حدود الترفيه المعتدل لتستحوذ على انتباهك وتهدر وقتك وجهدك، متسببة في سيطرة هذه المخاطر على إرادتك وعقلك، فضلا عن الأضرار الجسدية الخطيرة الناتجة عن ذلك من تدمير جودة النوم واضطراب الساعة البيولوجية بحسب الدراسات الطبية، والإصابات العضلية الهيكلية وإجهاد العيون، وقد أرسى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدة عظيمة في دفع الضرر فقال: «لا ضرر ولا ضرار»، فاحرص على سلامة بدنك وراحتك من هذه المخاطر، مصداقا لقوله تعالى: {ولا تلۡقوا۟ بأیۡدیكمۡ إلى ٱلتهۡلكة} [البقرة: ١٩٥].
٤- وتجنب استنزاف أموالك والمخاطرة بها في المشتريات الرقمية والصناديق العشوائية، وانتبه لخطورة القمار الإلكتروني، وألعاب الرهان والابتزاز الرقمي، وما تنطوي عليه من استنزاف للمقدرات ووقوع في شباك المحرمات، ولا تكن غافلا عن مخاطر الاستقطاب الرقمي وتسلل الأفكار المنحرفة أو العنف إلى عقلك، وما يتبع ذلك من ضياع أموالك وتفكك أسرتك، وتبلد مشاعرك، لذا فقد عنيت الشريعة الإسلامية بحفظ المال وصيانته، وحرمت اكتسابه أو استهلاكه بغير حق أو بالمخاطرة المحرمة، كصناديق الحظ الإلكترونية التي تعد من الميسر والغرر المنهي عنه شرعا، حيث قال الله تعالى: {یٰۤأیها ٱلذین ءامنوۤا۟ إنما ٱلۡخمۡر وٱلۡمیۡسر وٱلۡأنصاب وٱلۡأزۡلٰم رجۡسࣱ منۡ عمل ٱلشیۡطٰن فٱجۡتنبوه لعلكمۡ تفۡلحون} [المائدة: ٩٠]، فتلك أزمات عظمى تستوجب منك اليقظة التامة والرعاية الواعية، وألا تغفل عمن تتولى رعايتهم وتكون مسؤولا عن حفظهم وتوجيههم؛ امتثالا لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول».
* * * * *
الخطبة الثانية
الحمد لله على دوام النعم، ونعوذ به سبحانه من شر النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أما بعد، فيا عبد الله:
٥- حافظ على مقدرات وطنك بحفظ أسرتك وولدك، وشارك في حمايتهم من مخاطر الاستقطاب الرقمي والعزلة الاجتماعية؛ فالشريعة الإسلامية حثت على حفظ الأواصر والروابط، ولا بد من اتخاذ إجراءات عملية صارمة لحماية الأبناء والروابط الأسرية؛ بتخصيص وقت يومي للتواصل الأسري، والاتفاق على أوقات مشتركة تخلو من الهواتف والألعاب، وفحص محتوى الألعاب ومضمونها، وتقييد التواصل الرقمي، وتعزيز الحوار والثقة الأسرية، وإشراك الأبناء في الأنشطة الرياضية والاجتماعية الواقعية ليكونوا عناصر صالحة نافعة لوطنهم؛ فالتوازن هو طوق النجاة لحفظ النسيج المجتمعي وصيانة الأسر من التفكك والعزلة، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته».
٦- واحرص على بناء ثقافة الاستخدام الرشيد للتقنية الرقمية، وقم بتعزيز الوعي الرقمي والتربية المتوازنة، فليس المقصود من معالجة مخاطر الألعاب الإلكترونية أن نربي جيلا يرفض التقنية أو يخشى التعامل معها، بل أن ننشئ جيلا واعيا يحسن الانتفاع بها، ويميز بين الترفيه النافع والاستغراق الضار، ملتزما بمنهج الوسطية والاعتدال الذي أرشدنا إليه المولى سبحانه بقوله: {وكذٰلك جعلۡنٰكمۡ أمةࣰ وسطࣰا} [البقرة: ١٤٣].


التعليقات