منتدى مصر.. من استدامة الإصلاح إلى تجديد القدرة السيادية

بيشوى رمزى
بيشوى رمزى

إذا كانت الإصلاحات الهيكلية قد أصبحت إحدى أدوات تعزيز القدرة السيادية للدولة، فإن استدامة هذه الوظيفة تتطلب الانتقال من التعامل مع الإصلاح باعتباره مجموعة من السياسات والإجراءات، إلى التعامل معه باعتباره قدرة مؤسسية مستمرة على المراجعة والتطوير والتكيف مع التحولات، بحيث لا تصبح مكاسب اليوم قيدا على خيارات الغد، وهو ما يعني أن استدامة الإصلاح لا تقتضي بالضرورة استمرار السياسات والأدوات ذاتها، وإنما الحفاظ على القدرة على تطويرها وتغييرها كلما اقتضت الظروف ذلك.

ولعل انعقاد منتدى مصر على مدار الأيام الماضية، وما شهده من نقاشات حول السياسات المرتبطة بالعديد من القطاعات، ودعوة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تحويله إلى حدث سنوي، يمثل فرصة مهمة للانتقال من التعامل مع الإصلاح باعتباره مجموعة من السياسات والإجراءات التي تتخذها الدولة لتطوير أدواتها، إلى ما هو أبعد من ذلك عبر إرساء آلية مستمرة لمراجعة تلك السياسات وتطويرها، بما يعزز استدامة الإصلاح، ويسهم في تجديد قدرة الدولة على القيام بوظائفها بكفاءة متزايدة، ومواصلة بناء احتياطيها السيادي.

وتجديد القدرة لا يقتصر، في جوهره، على تطوير ما تمتلكه الدولة من أدوات، وإن كان يمثل بعدا جوهريا لا غنى عنه، وإنما يحمل في طياته أبعادا أكثر عمقا، ربما أهمها الاستجابة للتحولات التي يشهدها العالم في لحظة تبدو فيها التطورات متسارعة، وهو ما يتطلب قدرا من المرونة في السياسات المتبعة، عبر مراجعتها وتطويرها، بل وتغييرها أو استبدالها إذا تطلب الأمر ذلك، باعتبار أن استدامة الإصلاح لا تعني استدامة أدواته، وإنما استدامة قدرة الدولة على إنتاج السياسات الأكثر ملاءمة لاحتياجاتها ومتطلبات المرحلة، بما يحافظ على مكاسب الإصلاح ويحول دون تحولها إلى قيود على خيارات المستقبل.

وتبدو أهمية المنتدى ليس فقط في كونه مناسبة يتم خلالها تبادل الرؤى والمقترحات، وإنما في إمكانية تحوله إلى آلية مستمرة يمكنها القيام بالعديد من الوظائف، عبر مسارات متوازية، أولها مراجعة السياسات القائمة وتقييم مدى قدرتها على الاستجابة للتطورات والاحتياجات المتغيرة، بينما يعتمد المسار الثاني على استشراف التحولات الدولية والإقليمية، وتحديد ما قد تفرضه من تحديات أو تتيحه من فرص، والكيفية التي يمكن للدولة من خلالها الاستعداد للتعامل مع تلك المستجدات، سواء كانت مرتبطة بقطاع بعينه أو بالسياسات العامة، بما يسمح بتطوير السياسات بصورة استباقية، وليس فقط استجابة للتحولات بعد وقوعها.

في حين يبقى ثمة مسار ثالث يدور حول مدى التكامل بين السياسات التي تتبناها الدولة في مختلف القطاعات، بحيث لا تؤدي الإجراءات المتبعة في قطاع معين إلى إضعاف كفاءة قطاعات أخرى، أو أن يأتي تعزيز قدرة الدولة على القيام بوظيفة معينة على حساب كفاءتها في أداء وظائف أخرى، خاصة تلك المرتبطة بتلبية الاحتياجات الداخلية، وهو ما يتطلب النظر إلى السياسات باعتبارها أجزاء من منظومة متكاملة، لا مجموعة من الإجراءات المنفصلة، مع مراعاة ما قد تفرضه بعض القرارات من تكاليف متبادلة، والعمل على تحقيق التوازن بينها بما يعزز القدرة الإجمالية للدولة على أداء وظائفها.

التكامل بين هذه المسارات الثلاثة لا يقتصر أثره على تعزيز كفاءة السياسات المتبعة أو تطوير قدرة الدولة على أداء وظائفها القائمة، وإنما يمتد إلى بناء احتياطيها السيادي، باعتباره جزءا من القدرة الوطنية التي تحتفظ الدولة بحرية إعادة تخصيصها خارجيا عند الحاجة، حتى وإن كانت موظفة بالفعل في أداء وظائف داخلية، وهو ما يمكن أن يتحقق عبر رفع كفاءة استخدام الموارد، وتطوير القدرات القائمة، وإنتاج قدرات إضافية، بما يوسع مساحة الحركة المتاحة أمام الدولة في مواجهة التحولات الدولية، ويعزز قدرتها على الاستجابة للمستجدات دون الاضطرار إلى التضحية بوظائفها الأساسية أو الإخلال بالتزاماتها القائمة.

ولا يمكن إغفال البعد المجتمعي في هذا السياق، باعتبار أن استدامة الإصلاح لا تتوقف على قدرة مؤسسات الدولة على مراجعة السياسات وتطويرها، وإنما ترتبط أيضا بمدى استجابتها للاحتياجات الفعلية للمواطنين، وهو ما يمنح منتدى مصر وظيفة إضافية تتجاوز إتاحة الفرصة للمشاركة في النقاش، إلى الاستفادة من تلك المشاركة في تحديد الأولويات وتقييم النتائج، خاصة أن المواطن لا يمثل فقط أحد المستفيدين من الإصلاح، وإنما يعد كذلك أحد أهم الأطراف القادرة على رصد انعكاساته على الواقع، بما يسمح بتحديد الفجوة بين الأهداف التي تسعى السياسات إلى تحقيقها والنتائج التي يشعر بها المجتمع.

ومن ناحية أخرى، فإن مشاركة المواطن في مناقشة التحديات والبدائل المطروحة، وإدراكه أن ما يقدمه من رؤى ومقترحات يمكن أن يجد طريقه إلى السياسات المتبعة، قد يسهم في تعزيز الثقة بين المجتمع وصانع القرار، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في ضوء ما قد تفرضه بعض الإصلاحات من تكاليف اقتصادية واجتماعية، فالثقة لا تعني بالضرورة قبول المواطن بجميع القرارات أو تحمله أعباءها دون مقابل، وإنما قد تعزز قدرته على تفهم أسبابها وجدواها، خاصة عندما تقترن المشاركة بنتائج ملموسة وعدالة في توزيع الأعباء، بما يجعل المجتمع شريكا في استدامة الإصلاح، وليس مجرد متلق لقراراته.

وهنا يمكننا القول بأن الرهان الحقيقي على منتدى مصر لا ينبغي أن يتوقف عند انتظام انعقاده أو تنوع القضايا التي يناقشها، وإنما يمتد إلى قدرته على التحول إلى آلية مستمرة تربط بين الحوار وصناعة السياسات، وبين تقييم النتائج وتطوير أدوات الإصلاح، بما يسمح للدولة بالحفاظ على مكتسباتها وتجديد قدراتها في الوقت نفسه، ويجعل استدامة الإصلاح جزءا من عملية أوسع تستهدف تعزيز كفاءة الدولة، وتوسيع خياراتها المستقبلية، وترسيخ قدرتها على الاستجابة للتحولات دون أن تفقد اتصالها باحتياجات مواطنيها.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.