فجّرت سنوات من الخلافات السياسية والإقليمية أزمة "متصاعدة" بين الجزائر والإمارات، انتهت بقرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي بعد اتهامها بارتكاب سلسلة من "الأعمال الاستفزازية أو العدائية"؛ فبين الخلاف حول الموقف من إسرائيل، والصراع على الصحراء الغربية، وتباين المصالح في منطقة الساحل، إلى جانب خطوات تصعيدية على مستوى العلاقات الثنائية، تراكمت كل هذه الملفات لتَدفع بالبلدين نحو القطيعة.
تفاصيل قرار جزائري "مُفاجئ" بقطع العلاقات مع الإمارات
وفي التفاصيل، قررت الجزائر بشكل "مُفاجئ" قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، بعد سنوات من التوتر المتصاعد بين البلدين، مُتهمة أبوظبي بارتكاب سلسلة من "الأعمال الاستفزازية أو العدائية" رغم تحذيرات متكررة.
وقالت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، اليوم الخميس، إن تصرفات الإمارات وصلت إلى مرحلة "لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتسامح"، مؤكدة أن الجزائر "استنفدت جميع الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية".
وأبلغت الجزائر السفير الإماراتي بقرار "قطع العلاقات"، ومنحته مُهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، بينما لم تُصدر وزارة الخارجية الإماراتية تعليقا فوريا على القرار.
خلافات سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية
لم يكن قرار القطيعة وليد "خلاف واحد"، إذ تراكمت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الملفات الإقليمية التي وضعت الجزائر وأبوظبي في مواقف "مُتباعدة".
وتصاعدت حدة الانتقادات في الإعلام الجزائري تجاه الإمارات، مع اتهامات لأبوظبي بـ"السعي إلى التدخل في ملفات إقليمية والتأثير في استقرار دول المنطقة"، فيما لم تتبنَّ الإمارات هذه الاتهامات رسميا.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أشار، العام الماضي 2025، إلى أن علاقات بلاده مع دول الخليج "أخوية" باستثناء دولة واحدة، في إشارة اعتُبرت مُوجهة إلى "الإمارات"، واتهم الدولة التي لم يسمها بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر والسعي إلى زعزعة استقرارها، وفق "رويترز".
التطبيع مع إسرائيل.. نقطة خلاف رئيسية
ويُبرز الموقف من إسرائيل كأحد الملفات التي تكشف حجم "التباعد السياسي" بين الإمارات والجزائر.
فالجزائر ترفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بينما أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع تل أبيب عام 2020 ضمن "اتفاقيات أبراهام" التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية.
وتزداد حساسية هذا الملف بالنسبة للجزائر في ظل علاقاتها "المتوترة" أصلا مع المغرب، الذي انضم أيضا إلى مسار التطبيع مع إسرائيل في العام نفسه، ما جعل أبوظبي والجزائر تقفان في موقعين مختلفين بشأن أحد أبرز ملفات السياسة الإقليمية.
الصحراء الغربية.. الجزائر وأبوظبي في معسكرين متعارضين
يُعد نزاع "الصحراء الغربية" من أبرز الملفات التي عمّقت الخلاف بين الجزائر والإمارات، في ظل دعم كل طرف لموقف مختلف تماما، بحسب "رويترز".
وتدعم الجزائر جبهة "البوليساريو" التي تُطالب باستقلال الصحراء الغربية، بينما تدعم الإمارات موقف المغرب بشأن "السيادة على الإقليم"، كما افتتحت أبوظبي قنصلية لها في الصحراء الغربية، في خطوة تعكس موقفها الداعم للرباط.
ويُمثّل هذا الملف نقطة "شديدة الحساسية" بالنسبة للجزائر، التي تعتبر دعم المغرب في قضية الصحراء الغربية جزءا من التوازنات الأمنية والسياسية المباشرة في جوارها المغاربي.
الساحل.. صراع على النفوذ
امتدت نقاط التباين إلى منطقة "الساحل"، حيث تزايد تقاطع مصالح الجزائر والإمارات مع توسّع تحركات أبوظبي وعلاقاتها مع عدد من الحكومات في المنطقة.
وتزامن ذلك مع تدهور علاقات الجزائر مع بعض جيرانها الجنوبيين، خصوصا بعد سلسلة "الانقلابات العسكرية" التي شهدتها دول في منطقة الساحل، ما جعل التنافس على النفوذ والتحالفات في هذه المنطقة أحد الملفات التي تزيد حساسية العلاقات بين البلدين.
اتفاقية الطيران.. محطة جديدة في التصعيد
قبل قرار قطع العلاقات، كانت الجزائر قد اتخذت خطوة عملية عكست "عُمق الأزمة"، إذ بدأت في فبراير الماضي إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية المُوقّعة مع الإمارات في أبوظبي عام 2013.
وأعلنت الجزائر رسميا حينها بدء إجراءات إنهاء الاتفاقية عبر "القنوات الدبلوماسية"، بينما قالت الهيئة العامة للطيران المدني الإماراتية، إن الاتفاقية تظل سارية خلال فترة الإخطار القانونية، وإن حركة الرحلات لن تتأثر فورا، بحسب وكالة الأنباء الجزائرية.
وجاءت هذه الخطوة بعد أشهر من "التوتر السياسي"، لتُصبح واحدة من أبرز المؤشرات على انتقال الخلاف من التصريحات والانتقادات إلى إجراءات تمس العلاقات الثنائية بشكل مباشر.
مِن الخلافات إلى القطيعة
مع تراكم الخلافات بشأن "إسرائيل والصحراء الغربية والنفوذ في منطقة الساحل، إلى جانب الاتهامات الجزائرية بالتدخل في الشؤون الداخلية والسعي إلى زعزعة الاستقرار، وصلت العلاقات إلى مرحلة قالت الجزائر إنها "لم تعد قادرة على احتوائها بالوسائل الدبلوماسية".
وبإعلان قطع العلاقات، تكون الجزائر قد أنهت "مسارا طويلا" من التوتر مع أبوظبي، بعدما أكدت أن قرارها جاء عقب استنفاد جميع الوسائل الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية.


التعليقات