من قاموس إيطالي–عربي في بداياتها إلى آلاف الكتب المدرسية وإصدارات التراث العربي، مثّلت مطبعة بولاق ، المعروفة باسم المطبعة الأميرية ، إحدى المحطات الرئيسية في تاريخ الطباعة والنشر في مصر، فمنذ تأسيسها في عهد محمد علي باشا خلال عشرينيات القرن التاسع عشر، تجاوز دورها طباعة الكتب العسكرية والإدارية إلى الإسهام في نشر العلوم والآداب وإحياء التراث، لتصبح الطباعة الحديثة أداة أساسية في تداول المعرفة.
وتكشف الأرقام الواردة في السجلات والمعلومات التاريخية عن حجم هذا الدور، سواء من حيث عدد النسخ المطبوعة أو تنوع الإصدارات أو انتقال المطبعة بين مراحل سياسية وإدارية مختلفة.
1822.. بداية الإنتاج الفعلي
بدأت مطبعة بولاق الإنتاج الفعلي عام 1822، بعد أن اتخذ محمد علي باشا خطوات تأسيسها وتجهيزها في السنوات السابقة. وتشير المعلومات التاريخية المتداولة إلى أن من أوائل إصداراتها قاموس إيطالي–عربي، في وقت ارتبطت فيه المطبعة باحتياجات الدولة، خصوصًا في المجالات العسكرية والتعليمية.
واستوردت المطبعة آلات وحروفًا طباعية من إيطاليا، بما أتاح الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على النسخ اليدوي إلى إنتاج الكتب والمطبوعات باستخدام تقنيات الطباعة الحديثة آنذاك. وكانت البداية محدودة مقارنة بما شهدته المطبعة لاحقًا، إذ ارتبط الإنتاج باحتياجات الجيش والمدارس والإدارة الحكومية.
أكثر من نصف مليون نسخة في أقل من 6 سنوات
من أبرز الأرقام التي تكشف حجم إنتاج مطبعة بولاق أن الوثائق التاريخية، وفق المعلومات الواردة في المادة، تشير إلى أنها طبعت أكثر من 500 ألف نسخة خلال فترة لم تتجاوز 6 سنوات سبقت عام 1879.
ويعكس هذا الرقم اتساع نشاط المطبعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وانتقالها من تلبية احتياجات الدولة المباشرة إلى إنتاج مطبوعات متنوعة. لكن الرقم يشير إلى عدد النسخ المطبوعة، وليس عدد العناوين أو الكتب المختلفة؛ وهو فارق أساسي عند قراءة حجم الإنتاج.
7 أنواع رئيسية من المطبوعات
تنوع إنتاج مطبعة بولاق على مدار تاريخها، ويمكن تصنيف مطبوعاتها، وفق المعلومات التاريخية الواردة، ضمن 7 أنواع رئيسية: القوانين واللوائح والمنشورات الحكومية، الكتب، التقاويم، جريدة «الوقائع المصرية»، القرآن الكريم، الأوراق والدفاتر الحكومية، مقامات الموسيقى.
ويكشف هذا التنوع عن اتساع وظيفة المطبعة؛ فلم تكن مؤسسة لإنتاج الكتب وحدها، بل أدت دورًا في طباعة الوثائق الرسمية والمطبوعات الدورية والمواد المرتبطة بالتعليم والإدارة والحياة الثقافية.
5868 كتابًا مدرسيًا و74 إصدارًا للأطفال
امتد نشاط مطبعة بولاق إلى المجال التعليمي، إذ تشير الأرقام الواردة في المادة إلى توزيع نحو 5868 كتابًا مدرسيًا على الطلاب، إلى جانب 74 إصدارًا موجهًا للأطفال.
وتوضح هذه الأرقام جانبًا من ارتباط الطباعة بالتعليم، من خلال توفير الكتب والمواد المطبوعة التي تساعد على نشر المعرفة خارج نطاق المؤسسات التقليدية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين عدد الكتب المدرسية الموزعة وعدد العناوين التي أُنتجت؛ فالمعلومة المتاحة تتحدث عن الكتب الموزعة، ولا تثبت أن الرقم يمثل عدد العناوين المختلفة.
من مطابع بولاق إلى المطابع الأهلية.. توسع النشاط منذ 1860
لم يظل نشاط الطباعة في مصر حكرًا على مطبعة بولاق؛ فبعد نحو أربعة عقود من تأسيسها، بدأت مطابع أهلية جديدة في الظهور، من بينها مطابع الوطن عام 1860، ومطابع وادي النيل عام 1866، وجمعية المعارف عام 1868.
وفي عام 1879، ظهرت مطابع أخرى، من بينها المطبعة الخيرية بالجمالية والمطبعة العثمانية والمطبعة الأزهرية والمطبعة الشرفية، وفق المعلومات التاريخية الواردة في المادة.
ويشير هذا التسلسل الزمني إلى اتساع بيئة الطباعة والنشر في مصر خلال القرن التاسع عشر، مع ظهور مؤسسات جديدة إلى جانب مطبعة بولاق، التي ظلت واحدة من أبرز المؤسسات المؤثرة في هذا المجال.
1867 و1873.. حضور في معرضين دوليين
شهدت المطبعة مراحل من التطوير والتحديث، وشمل ذلك تجديد آلاتها وتحسين قدراتها الإنتاجية. ووفق المعلومات الواردة، شاركت في معرض باريس الدولي عام 1867، ومعرض فيينا عام 1873، في مؤشر على حضورها خارج نطاق الإنتاج المحلي.
وجاءت هذه المشاركات في سياق اهتمام الدولة آنذاك بتحديث المؤسسات الصناعية والمعرفية، والاستفادة من التطورات التقنية التي شهدتها أوروبا في مجالات الطباعة والإنتاج.
من عهد محمد علي إلى إمبابة
بدأت قصة مطبعة بولاق في عهد محمد علي باشا خلال عشرينيات القرن التاسع عشر، ثم انتقلت ملكيتها وإدارتها بين مراحل سياسية وإدارية مختلفة. وشهدت فترات من التطور والتراجع، كما ارتبط تاريخها بإنتاج كتب التراث، ومن بينها أعمال أدبية وتاريخية مهمة مثل «مقامات الحريري» و«خطط المقريزي»، وفق المعلومات الواردة عن إصداراتها.
وبعد ثورة يوليو 1952، شهدت المؤسسة تحولًا إداريًا جديدًا، ومع إنشاء وزارة الصناعة عام 1956 أُلحقت بها تحت مسمى الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، وانتقلت إلى منطقة إمبابة، حيث واصلت نشاطها في طباعة المطبوعات الحكومية وغيرها.
الأرقام تكشف تحوّلًا في تاريخ المعرفة
من إنتاج بدأ عام 1822، إلى أكثر من 500 ألف نسخة خلال أقل من 6 سنوات في فترة لاحقة من القرن التاسع عشر، مرورًا بنحو 5,868 كتابًا مدرسيًا و74 إصدارًا للأطفال، تكشف الأرقام عن تنوع أدوار مطبعة بولاق عبر تاريخها.


التعليقات