تواجه أوروبا اختبارا جديدا لأمن الطاقة مع اقتراب فصل الشتاء ، بعدما تحولت اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعى المسال عبر مضيق هرمز إلى أزمة تضغط على الأسعار ومخزونات الطاقة وتزيد تكلفة تأمين احتياجات القارة ، فى وقت لا تزال فيه الأسواق تحاول التعافى من تداعيات أزمة الطاقة السابقة
وقفزت أسعار الغاز الطبيعى فى أوروبا بأكثر من 200% منذ بداية عام 2026 ، أي أنها أصبحت أكثر من 3 أضعاف مستوياتها السابقة ، وفق بيانات العقود الآجلة للغاز الهولندي «تي تي إف»، المؤشر المرجعي للسوق الأوروبية. وفي 28 أكتوبر الماضي، تجاوزت الأسعار لفترة وجيزة مستوى 100 يورو لكل ميجاوات/ساعة، للمرة الأولى منذ ديسمبر 2022، وسط مخاوف من استمرار اضطراب الشحنات القادمة من الخليج مع اقتراب موسم زيادة الاستهلاك الشتوي.
ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع أسعار الغاز، بل تمتد إلى زيادة تكلفة استيراد الطاقة، واشتداد المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، فضلًا عن المخاوف من دخول الشتاء بمخزونات أقل من المستويات التاريخية، وهو ما يضع الحكومات الأوروبية أمام تحدي تأمين الإمدادات دون تحميل الأسر والشركات أعباء مالية إضافية.
مضيق هرمز.. نقطة الاختناق التي هزت سوق الطاقة العالمية
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم، إذ تمر عبره شحنات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي المسال، وتكتسب أهميته بالنسبة إلى أوروبا من دوره في ربط منتجي الخليج بالأسواق الدولية.
ووفق وكالة الطاقة الدولية، تسببت الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات التي أعقبتها في تعطيل حركة شحن الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، بعدما كان الممر يستوعب ما يقرب من 20% من الإمدادات العالمية لهذا الوقود. وأدى ذلك إلى صدمة في سوق الغاز، وارتفاع حاد في الأسعار خلال مارس 2026، قبل أن تهدأ نسبيًا في الربع الثاني، لكنها ظلت أعلى بكثير من مستويات العام السابق.
وتكمن خطورة الأزمة في أن تعويض الشحنات المتأخرة ليس أمرًا سهلًا أو فوريًا، إذ تحتاج الأسواق إلى مصادر بديلة وناقلات متاحة وقدرات إنتاج وتسييل إضافية. كما أن أي تأخير في عودة التدفقات الطبيعية من الخليج يترك المشترين الأوروبيين أمام منافسة أكبر للحصول على الشحنات المتاحة في السوق الفورية.
ووفقا لهيئة تعاون منظمي الطاقة الأوروبية، استورد الاتحاد الأوروبي نحو 7% من احتياجاته من الغاز الطبيعي المسال من قطر خلال شتاء 2025-2026، بما يعادل نحو 4% من إجمالي وارداته من الغاز في تلك الفترة. لكن تقلص المعروض العالمي يدفع المشترين الأوروبيين إلى منافسة آسيا على الشحنات البديلة، ما يرفع الأسعار حتى في الدول التي لا تعتمد بصورة كبيرة على إمدادات الخليج.
مخزونات الغاز.. أوروبا تدخل الشتاء باحتياطيات أقل من المعتاد
وتأتي أزمة الأسعار في توقيت حساس، إذ لم تتمكن الدول الأوروبية من إعادة ملء مخزوناتها بالوتيرة المطلوبة خلال موسم الصيف، نتيجة ارتفاع تكلفة الشراء واضطراب الإمدادات العالمية.
وأظهرت بيانات هيئة تعاون منظمي الطاقة الأوروبية أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي بلغت نحو 75% من طاقتها في 21 أكتوبر، وهي نسبة تقل عن المتوسط التاريخي، بعدما أنهت القارة شتاء 2025-2026 بمستويات تخزين بلغت 28% فقط، مقارنة بنحو 34% في الشتاء السابق.
وقدرت الهيئة أن تكلفة إعادة ملء المخزونات خلال عام 2026 قد تصل إلى 27 مليار يورو وفق الحد الأعلى لتقديراتها، مشيرة إلى أن متوسط تكلفة الغاز الذي جرى ضخه في المخازن كان ثاني أعلى متوسط خلال العقد الماضي. \<
وتبدو ألمانيا من أكثر الدول التي تواجه تحديات في هذا الملف، باعتبارها صاحبة أكبر قدرة تخزينية وأكبر مستهلك للغاز في الاتحاد الأوروبي. وأشارت تقارير حديثة إلى أن مخزوناتها لم تصل إلى المستهدف، مع اختلاف التقديرات المنشورة بشأن نسب الامتلاء، إذ تراوحت حول 60 إلى 62% في أواخر أكتوبر.
وفي المقابل، تبدو أوضاع التخزين أفضل في دول أخرى، من بينها إيطاليا، التي وصلت مخزوناتها إلى مستويات أعلى، بينما تواجه هولندا أيضًا تحديات مرتبطة بانخفاض الاحتياطيات. ويعني هذا التفاوت أن قدرة الدول الأوروبية على مواجهة موجات البرد أو اضطرابات الإمدادات لن تكون متساوية.
الغاز الأمريكي ينقذ الإمدادات.. لكنه لا ينهي أزمة الأسعار
وفي محاولة لتعويض تراجع الإمدادات القادمة من الخليج، زادت أوروبا اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، الذي أصبح أحد أهم مصادر تأمين احتياجات القارة.
ووفق بيانات هيئة تعاون منظمي الطاقة الأوروبية، يمثل الغاز الطبيعي المسال الأمريكي نحو 30% من إجمالي إمدادات الغاز في الاتحاد الأوروبي، في وقت تراجعت فيه الإمدادات القطرية والروسية. كما لم تصل كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال القطري إلى الاتحاد الأوروبي خلال صيف 2026.
لكن الاعتماد المتزايد على الولايات المتحدة لا يعني انتهاء الأزمة، إذ تتنافس أوروبا مع الأسواق الآسيوية على الشحنات الأمريكية المتاحة، خاصة عندما ترتفع الأسعار في آسيا وتصبح وجهة أكثر جاذبية للمصدرين. وأوضحت وكالة الطاقة الدولية أن الفارق السعري بين السوقين خلال الفترة من مارس إلى يونيو شجع على توجيه بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال المرنة إلى الأسواق الآسيوية بدلًا من أوروبا
كما أن زيادة الإمدادات الأمريكية لا تستطيع وحدها ضمان انخفاض الأسعار، لأن السوق تتأثر بتكاليف النقل والطلب العالمي والقدرة الإنتاجية المتاحة، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية التي قد تعطل حركة الشحن في أي وقت.
فاتورة الطاقة الأوروبية ترتفع.. والصناعة تحت ضغط
وتنعكس أزمة الغاز على الاقتصاد الأوروبي من خلال ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة، وزيادة أعباء الصناعات كثيفة الاستهلاك، مثل الكيماويات والأسمدة والصلب، التي تعتمد على الغاز والكهرباء في عمليات الإنتاج.
وقدرت هيئة تعاون منظمي الطاقة الأوروبية أن اضطرابات الشرق الأوسط أضافت ما بين 18 و33 مليار يورو إلى فاتورة واردات الغاز الأوروبية مقابل الكميات نفسها، وهي تكلفة تنتقل عبر سلسلة الإمداد لتؤثر في المستهلكين والشركات، كما تضغط على أسعار الكهرباء.
وبالفعل، أشار تقرير نشرته صحيفة لا اكونوميستا إلى أن ارتفاع أسعار الغاز بالجملة بدأ يضغط على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مع اتجاه بعض الشركات إلى خفض الإنتاج، في حين قد لا تظهر الزيادة كاملة في فواتير الأسر على الفور، بسبب تأخر انتقال تغيرات أسعار الجملة إلى عقود التجزئة.
ومع ذلك، لا تعني هذه التطورات أن أسعار الكهرباء ارتفعت في جميع الدول الأوروبية وبالوتيرة نفسها؛ فقد أظهرت بيانات يوروستات أن متوسط أسعار الكهرباء للأسر في الاتحاد الأوروبي انخفض بنسبة 2.2% خلال النصف الأول من 2026، ليصل إلى 0.28 يورو لكل كيلووات/ساعة، لكنه ظل أعلى بكثير من مستوياته قبل أزمة الطاقة في 2022.
حظر الغاز الروسي يزيد تعقيد المشهد في 2027
وتواجه أوروبا تحديًا إضافيًا يتمثل في خطط الاتحاد الأوروبي للتخلص التدريجي من واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي، مع بدء تطبيق الحظر على هذه الواردات اعتبارًا من يناير 2027، وهو ما يضيف عامل ضغط جديدًا على سوق تسعى بالفعل إلى تعويض نقص الإمدادات القادمة من الخليج.
وتشير بيانات هيئة تعاون منظمي الطاقة الأوروبية إلى أن الغاز الروسي، بما يشمل الإمدادات عبر الأنابيب والغاز المسال، لا يزال يمثل نحو 11% من إجمالي إمدادات الاتحاد الأوروبي، رغم تراجع الاعتماد عليه مقارنة بالسنوات السابقة.
وبالتالي، تجد أوروبا نفسها أمام مهمة مزدوجة: تعويض تراجع الإمدادات القطرية والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، والاستعداد في الوقت نفسه لتقليص واردات الغاز الروسي، مع زيادة الاعتماد على الولايات المتحدة ومصادر أخرى.
هل تواجه أوروبا شتاءً جديدًا من أزمة الطاقة؟
وتتوقف تطورات أزمة الطاقة الأوروبية خلال الأشهر المقبلة على عدة عوامل، في مقدمتها مدى استقرار حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وسرعة عودة صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات، وحجم الشحنات الأمريكية المتاحة، إلى جانب درجات الحرارة ومعدلات استهلاك الغاز خلال الشتاء.
وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن استمرار التأخر في عودة التدفقات الطبيعية من الخليج قد يزيد اختلال التوازن بين العرض والطلب، بينما أكدت هيئة تعاون منظمي الطاقة الأوروبية أن المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز المسال ستظل عاملًا مؤثرًا في الأسعار خلال موسم التدفئة.
وبذلك لا تواجه أوروبا أزمة نقص إمدادات فحسب، بل أزمة تكلفة أيضًا؛ فحتى إذا نجحت الدول في تأمين الكميات المطلوبة، فإن شراء الغاز بأسعار مرتفعة سيزيد أعباء الحكومات.


التعليقات