أكل بـ "اللايكات".. عندما تحولت بركة الجدات إلى تريند سريع

محمود عبد الراضي
محمود عبد الراضي

كان المطبخ يدار بـ منطق الحب لا بـ لغة أرقام الساعات، لم تكن الست المصرية تحتاج إلى الميزان أو التوقيت الدقيق، بل كانت تزن الأمور بـ نفَسها الدافئ وبركتها السخية.

كانت الوصفة تنتقل من الأم إلى ابنتها كأنها أسطورة عائلية تعجن بـ الاهتمام وتستوي على نار الصبر الهادئة.

كانت الصينية تخرج من الفرن وهي تحمل بين طياتها صبرا محبوكا وتاريخا طويلا من الرعاية الإنسانية، حيث يتشرب الطعام نكهة اليد التي أعدته ويصبح الأكل رسالة حنان صامتة تصل إلى قلوب المحبوبين قبل بطونهم.

لكن المطبخ الدافئ تعثر فجأة في شوارع العصر الرقمي السريع، اقتحمت مقاطع الفيديو القصيرة مساحات طهينا، وصار المطبخ مسرحا مصغرا يُختزل فيه المجهود البشري في دقيقة واحدة لا أكثر.

غابت التفاصيل الصغيرة التي تسكن المطبخ العتيق، واستبدلت خطوات الصبر بـ مونتاج سريع وموسيقى صاخبة تسابق الزمن.

تحولت الوصفة من إرث عائلي دافئ إلى محتوى يبحث عن المشاهدات والتفاعل، وصار الطعام يجهز للعين لا للمعدة، وللكاميرا لا للمائدة.

إن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم يكمن في البُعد الإنساني للطهي، قديماً، كان الطعام يطهى بـ الروح ويحمل بصمة صانعه التي لا تتكرر، أما اليوم فقد أصبحت الوجبات متماثلة تشبه إيقاع العصر الجاف.

لقد أسرعت الخوارزميات خطواتنا حتى حرمتنا من لذة الانتظار وجمال التجربة المباشرة، لم نعد نلمس حقيقة العطاء السخي في المطبخ، بل أصبحنا نكتفي بـ متابعة الوصفة عبر الشاشات الملساء، لنخسر بذلك دفء العائلات التي كانت تجتمع حول أوان طازجة تنبض بـ البركة والأصالة.

نحن لا نرفض التطوير أو استخدام الأدوات الحديثة، لكننا نحزن على فقدان تلك الروح الفريدة.

لقد أصبحت الوجبات تجهز بـ سرعة فائقة وتغيب عن ذاكرتنا بنفس السرعة، وكأننا استبدلنا الدفء المستمر بـ انبهار لحظي زائف، لتظل أكلات الست القديمة حلم حنون نعود إليه كلما اشتقت أرواحنا إلى الأصالة.

شارك برأيك

التعليقات

0
اكتب تعليقك

رأيك يهمنا، وسيظهر بعد مراجعته.