إن العالم ينبغي عليه أن يتخلق بأخلاق النبوة التي ورث عنها العلم؛ فيتصف بصفاتهم، ويسير على دربهم، ويكون قدوة حسنة للمتعلمين، وأسوة يهتدي بها أفراد مجتمعه، يعي حجم المسئولية الملقاة على عاتقه بما تحمله من هذا الميراث الشريف، ويتفهم أن طلابه يتأسون به في أفعاله وأقواله، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}[فاطر: 32]
إن القدوة الحسنة للعلماء والمعلمين هي المثال الواقعي للسلوك الخلقي الأمثل، وهي الأساس في بناء شخصيات طلابه، وغرس القيم الأخلاقية والسلوكية في نفوسهم، فهو مربي فاضل ومصلح أريب، سواء في أفعاله وسلوكياته أو في لغته وألفاظه.
ومن القيم التي ينبغي له أن يتصف بها: حسن الخلق، والرفق في التعامل، والحرص على الالتزام بمواعيد الدروس العلمية وعدم التأخر عنها، والعناية بمظهره ونظافته بحيث تكون ملابسه نظيفة؛ لأن ملائكة الرحمة تحضر دروس علمه وتحفه وتحف مجلسه.
فقد رُوِيَ عَن الإِمَام أبي حنيفَة -رَضِي الله عَنهُ- أَنه كان يقول لأصحابه وطلابه: عظموا عمائمكم ووسعوا أكمامكم، قيل إنما قَالَ ذَلِك؛ لِئَلَّا يستخف بِالْعلمِ وَأَهله.
وكَانَ الإمام الشَّافِعِي -رَضِي الله عَنهُ - يَأْمر غُلَامه أَن يَأْتِي السارية الَّتِي كَانَ يقْعد عِنْدهَا لتعليم الْفِقْه فيلطخها بالغالية (أخلاط من الطيب) كل يَوْم إِكْرَاما للْعلم وحاضريه.[نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف لجمال الدين الحبيشي الوَصَابي (1 / 125) ].
ومن هنا جاء تحذير الله -تعالى- للعلماء والمعلمين من الاتصاف بغير الصفات الحسنة، أو التنازل عن الأخلاق الحميدة، أو تذكير الناس بالخير والفضل وينسون أنفسهم، قال تعالى: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وقال أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلاَنُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ" [أخرجه البخاري في صحيحه، حديث رقم: (3267 ). «تَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ» أَيْ: تَخْرُجُ أَمْعَاؤُهُ (شرح السنة للبغوي (14 / 352)].
فالْعِلْمَ شَجَرَةٌ وَالْعَمَلَ ثَمَرَةٌ، وَلَيْسَ يُعَدُّ عَالِمًا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ عَامِلًا، وَقِيلَ: الْعِلْمُ وَالِدٌ وَالْعَمَلُ مَوْلُودٌ. [اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي (1 / 14) ].
هذا والله المستعان وعليه التكلان.


التعليقات