في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، وتتسابق فيه المنصات الرقمية على جذب انتباهنا، لم يعد السؤال هو: ماذا نعرف؟ بل أصبح: كيف نعرف؟ وهل نمتلك الوعي الكافي للتمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين المعلومة والشائعة، وبين حرية التعبير والمسؤولية عن الكلمة؟
من هنا تبرز أهمية الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية، والذي تطلقه الأمم المتحدة سنويا في الفترة من 24 أكتوبر حتى 31 أكتوبر من كل عام والذي يمثل مناسبة عالمية لتجديد الدعوة إلى بناء إنسان واعٍ، قادر على التعامل النقدي مع الرسائل الإعلامية والمعلومات المتداولة، ومجتمع يمتلك أدوات التفكير والتحقق والحوار، بدلًا من الانسياق وراء ما يُنشر أو يُتداول دون تمحيص.
وهذا العام انطلق الأسبوع تحت شعار "لكل منا دور" تأكيدًا علي المسئولية المشتركة في تعزيز الوعي الإعلامي . إننا نعيش عصرًا لم تعد فيه وسائل الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت شريكًا في تشكيل الوعي، وصناعة الاتجاهات، والتأثير في القرارات والعلاقات الإنسانية. ومع اتساع استخدام المنصات الرقمية وتطور الذكاء الاصطناعي، باتت مواجهة الأخبار المضللة والمحتوى الزائف مسؤولية تتجاوز المؤسسات الإعلامية لتشمل كل فرد في المجتمع.
فالمشكلة ليست في كثرة المعلومات، وإنما في غياب القدرة على تقييمها وفهم أهدافها والتحقق من مصادرها.
وهنا تأتي أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية، باعتبارها ضرورة تعليمية ومجتمعية، لا تقتصر على تعليم استخدام التكنولوجيا، وإنما تمتد إلى تنمية التفكير النقدي، وفهم أساليب التأثير والإقناع، واحترام الخصوصية، والتحقق من الأخبار قبل نشرها، والتعامل المسؤول مع الاختلاف في الرأي.
فالمواطن الواعي إعلاميًا لا يصدق كل ما يقرأ، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يسمح لمحتوى مضلل بأن يصنع موقفه أو يحدد علاقته بالآخرين. إنه يتوقف ليسأل، ويتحقق قبل أن يحكم، ويدرك أن ضغطة واحدة على زر المشاركة قد تسهم في نشر معرفة نافعة، أو في تضليل الآخرين والإضرار بهم.
ولا تتوقف ثمار هذا الوعي عند حماية الفرد، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله؛ إذ تسهم الدراية الإعلامية في الحد من الشائعات، وتعزيز الثقة، وحماية الأطفال والشباب، ومواجهة خطاب الكراهية، ودعم الحوار بين الثقافات. كما تساعد على بناء مواطن أكثر قدرة على المشاركة الإيجابية، ومؤسسات أكثر مسؤولية في التواصل، ومجتمع أكثر تماسكًا في مواجهة التحديات. وانطلاقًا من إيمانها بأن الوعي مسؤولية مشتركة، أطلقت المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي حملة «لكل منا دور، فما هو دورك؟»، لتجعل من الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية مساحة للحوار والتفاعل المجتمعي، تتجاوز الاحتفاء بالمناسبة إلى تحفيز الأفراد على المشاركة في صناعة الوعي. وتستهدف الحملة إشراك عدد كبير من الشخصيات العامة والقيادات الفكرية والإعلامية والثقافية والمجتمعية، من خلال دعوتهم إلى طرح آرائهم ورؤاهم بشأن دور كل فرد في نشر الوعي الإعلامي، وتعزيز ثقافة الحوار، ومواجهة التضليل، وترسيخ الاستخدام المسؤول للمعلومات. وتكتسب هذه المشاركة أهميتها من تنوع الخبرات وتعدد زوايا النظر؛ فكل شخصية تمتلك تجربة ورسالة وجمهورًا يمكن أن تسهم من خلاله في نشر المعرفة وتوسيع دائرة التأثير الإيجابي. فالكلمة الواعية حين تصدر عن صاحب خبرة، وتصل إلى جمهور متفاعل، يمكن أن تتحول إلى بداية لفكرة، أو مبادرة، أو سلوك مجتمعي جديد. والهدف من الحملة ليس الاكتفاء بتبادل الآراء، وإنما تحويلها إلى رسائل توعوية تحفز الناس على التفكير والمشاركة، وتؤكد أن مواجهة التضليل لا تقع على عاتق الإعلاميين والمتخصصين وحدهم، بل تبدأ من كل مستخدم للهاتف، وكل ناشر للمعلومات، وكل شخص يمتلك القدرة على التأثير في الآخرين. وقد يعتقد البعض أن صناعة الوعي تتطلب منصبًا أو مؤسسة أو منصة واسعة الانتشار، لكن الحقيقة أن التغيير يبدأ من سلوك يومي بسيط: أن تتحقق قبل أن تنشر، وأن تحترم خصوصية الآخرين، وأن ترفض تداول الشائعات، وأن تناقش أبناءك فيما يشاهدونه، وأن تستخدم منصاتك لنشر المعرفة بدلًا من إعادة إنتاج الضجيج. كما أن للجامعات والمدارس والأسرة والمؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني أدوارًا متكاملة في بناء ثقافة إعلامية مستدامة، تجعل التفكير النقدي والتحقق من المعلومات واحترام الاختلاف جزءًا من الممارسة اليومية، لا مجرد شعارات موسمية. إننا لا نحتاج إلى مزيد من المعلومات بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الوعي، ولا نحتاج إلى أصوات أعلى بقدر ما نحتاج إلى أصوات أكثر مسؤولية، ولا يكفي أن نطالب الآخرين بتصحيح المشهد الإعلامي بينما نشارك، دون قصد، في تعقيد أزماته. إن الوعي لا يُصنع بقرار واحد، بل يتراكم بكلمات مسؤولة، ومواقف واعية، وممارسات يومية تحترم الحقيقة والإنسان. وفي الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية، تظل الرسالة الأهم أن بناء مجتمع واعٍ يبدأ من الفرد، وأن كل واحد منا يمتلك فرصة حقيقية ليكون جزءًا من الحل، مهما بدا دوره صغيرًا. فلنجعل من الوعي ممارسة، ومن الحوار ثقافة، ومن المعرفة قوة إيجابية في خدمة الإنسان والمجتمع.


التعليقات