من حق أي مواطن أن يسأل عن حقيقة جماعة الإخوان المسلمين، وعن طبيعة المشروع الذي قدمته للمجتمع طوال ما يقرب من قرن، فقد ظهرت الجماعة في مصر سنة 1928م تحت شعار الدعوة إلى الإسلام وإصلاح المجتمع، وقدمت نفسها باعتبارها حركة تسعى إلى تربية الأفراد وبناء الأسرة وإصلاح الأمة، لكن مسيرتها لم تقف عند حدود الدعوة والتربية، بل امتدت إلى العمل السياسي والنقابي والاجتماعي، وأصبحت مع مرور الوقت تنظيمًا واسعًا له قياداته وعضويته وقراراته وحساباته السياسية، وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: هل ظل التنظيم وسيلة لخدمة الدعوة، أم أصبحت الدعوة في أحيان كثيرة وسيلة لخدمة التنظيم وتوسيع نفوذه؟.
إن من أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي تنظيم يتحدث باسم الدين أن يتصور أن فهمه للإسلام هو الفهم الوحيد الصحيح، وأن طريقته في الدعوة هي الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الجميع، وأن من لم ينضم إليه أو لم يوافق قيادته ورؤيته فهو أقل فهمًا للدين أو أبعد عن الالتزام به، وقد ظهرت في خطاب بعض المنتمين إلى الجماعة وممارساتهم نزعة واضحة إلى تقسيم الناس بين من يسيرون في طريق التنظيم ومن يقفون خارجه، وكأن الانتماء إلى الجماعة أصبح معيارًا للحكم على صدق التدين وسلامة الفهم، وهذه مشكلة خطيرة؛ لأن المسلم لا يحتاج إلى بطاقة عضوية في جماعة حتى يكون مسلمًا صالحًا، ولا يحتاج إلى موافقة قيادة تنظيمية حتى يكون له فهم معتبر لدينه؛ فالإسلام دين الأمة كلها، وليس ملكًا لجماعة أو حزب، والعلم الشرعي له أصوله ومناهجه ورجاله، ولا يُختزل في اجتهاد تنظيم مهما اتسع انتشاره أو كثر أتباعه، وقد عرف تاريخ المسلمين مدارس فقهية وعقدية وتربوية متعددة، واختلف العلماء في مسائل كثيرة، ومع ذلك لم يكن الاختلاف سببًا لإخراج المخالف من دائرة أهل العلم أو التشكيك في دينه، أما أن يتحول الخلاف مع جماعة سياسية إلى اتهام في التدين أو انتقاص من الفهم أو تشكيك في النوايا، فهذا انحراف عن أدب الخلاف وعن حقيقة الدين الذي يأمر بالعدل والإنصاف.
والأمر لا يقف عند حدود الشعور بالتفوق أو التدين الأكمل أو الأفضل أو الاعتقاد بأن الجماعة تمتلك الفهم الأصح، بل يصبح أشد خطورة حين يُربَّى الشباب على أن الولاء للتنظيم ( وليس للوطن) دليل على الصدق، وأن مخالفة القيادة دليل على ضعف الالتزام، وأن من ينتقد الجماعة إنما يعادي الإسلام أو يحارب المشروع الإسلامي، وبهذه الطريقة تختلط في ذهن الشاب ثلاثة أمور يجب أن تظل منفصلة: الدين، والاجتهاد الفكري، والانتماء التنظيمي، فيصبح الدفاع عن الجماعة عنده دفاعًا عن الإسلام، ويصبح نقد قياداتها اعتداءً على الدين، مثلما يحدث لو قرأوا هذا الكلام، فلا يسلم أحد من هجومهم وقلة أدبهم إذا انتقدهم أحد أو اختلف معهم، مع أن الجماعة كيان بشري، وقراراتها اجتهادات بشرية، وكل عمل بشري قابل للصواب والخطأ والمراجعة، ولكن القوم مغيبون بل لا يعقلون.
وليس الاعتراض على أن يمارس المتدين السياسة، ولا على أن يشارك أصحاب المرجعية الإسلامية في الحياة العامة، فذلك حق مكفول لكل مواطن في إطار القانون، وإنما الاعتراض على أن يتحول العمل الديني إلى غطاء لمشروع تنظيمي مغلق، وأن يصبح الانتماء إلى الجماعة هو الطريق إلى الثقة والتأثير والمشاركة، وأن يُطلب من العضو أن يقدم ولاءه للتنظيم وقياداته على اعتبارات أخرى قد تكون أوجب وأحق، فالدين لا يمنح أي جماعة حقًّا خاصًّا في تمثيله، ولا يجعل قرارات قادتها فوق النقد والمحاسبة.
وثمّة أمرٌ آخر، ألا وهو أن المجتمع قد اعتاد أن يسمع من أعضاء الجماعة ومن ولاهم حديثًا واسعًا عن التربية والدعوة وإعداد الفرد المسلم، ومن الطبيعي بعد كلّ هذه السنوات أن يسأل عن حصيلة هذا المشروع، وأين المؤسسات العلمية الكبرى التي أسهمت في تكوين علماء متخصصين في الفقه وأصوله والحديث والتفسير واللغة، وأين المدارس العلمية المستقلة التي تخرج طلاب علم قادرين على البحث والاجتهاد وخدمة المجتمع، وأين الإسهام الذي يتناسب مع حجم التنظيم وانتشاره في بناء الوعي الديني ومواجهة الجهل والتطرف والشبهات؟!.
وحتى يفهم السؤال فهمًا صحيحًا ، فإنني أتساءل عن المشروع المؤسسي العام، وعن التوازن بين ما أُنفق من جهد في بناء التنظيم وما أُنجز في بناء العلم والإنسان، والجواب الذي لا مناص منه، لا مشروع ولا علماء ولا تربية ، بل إن العكس هو الصحيح ، تشكيك في المؤسسات الدينية، وتسلط على النوايا ، وشيطنة الآخر ، والدعوة الحقيقية إنما تُقاس بما تتركه من علم نافع، وأخلاق مستقيمة، وعقول واعية، وأفراد قادرين على خدمة الناس دون انتظار توجيه من قيادة أو تكليف من مسؤول تنظيمي، وإذا كان الهدف هو إصلاح المجتمع، فليس من الضروري أن يكون كل مصلح عضوًا في الجماعة، ولا أن يمرّ كل عمل نافع من خلال مؤسساتها؛ فالإسلام أوسع من أي تنظيم، وخدمة الدين ليست حكرًا على جماعة بعينها؛ فالإسلام أكبر من الإخوان والتيارات الدينية ( سلفية كانوا أو غيرها) ، ومن حق المصريين أن يسألوا كل من يرفع شعار الإصلاح: ماذا قدمت للمجتمع؟ وماذا أنجزت في العلم والتربية؟ وهل جعلت التنظيم في خدمة الدين والناس، أم طلبت من الناس أن يجعلوا الدين في خدمة التنظيم.


التعليقات