هل يكفى أن يتعلم الإنسان ويحصل على وظيفة حتى يصبح قادرًا على بناء مستقبله؟ أم أن بناء الإنسان يتطلب ما هو أبعد من اكتساب المهارات وتحقيق الدخل؟ انشغل المفكرون والاقتصاديون بهذا السؤال، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين النمو الاقتصادى ومستوى معيشة الأفراد. وظهر مفهوم التنمية البشرية ليقدم تصورًا يضع الإنسان فى قلب عملية التنمية، ويربط تقدمه بالتعليم والصحة والحرية والقدرة على الاختيار والمشاركة فى المجتمع.
محبوب الحق.. الإنسان أهم من الأرقام
فى عام 1990، أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائى أول تقرير عالمى للتنمية البشرية، مستندًا إلى رؤية طورها الاقتصادى الباكستانى محبوب الحق، واستفادت من أعمال الاقتصادى والفيلسوف الهندى أمارتيا سن.
وقدم التقرير تصورًا للتنمية يتجاوز قياس نجاح الدول بحجم إنتاجها الاقتصادى، ليهتم بحياة الناس والفرص المتاحة أمامهم.
كما طرح مؤشر التنمية البشرية لقياس ثلاثة أبعاد أساسية، هى الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، بدل الاعتماد على الدخل وحده.
أمارتيا سن.. ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل؟
قدم أمارتيا سن، الحاصل على جائزة نوبل فى العلوم الاقتصادية عام 1998، إسهامات مهمة فى منهج القدرات، الذى يهتم بما يستطيع الإنسان أن يكونه أو يفعله فعليًا.
فالحصول على التعليم لا يكفى إذا لم تتوافر فرصة للاستفادة منه، كما أن امتلاك دخل مادى لا يعنى بالضرورة القدرة على عيش حياة صحية أو المشاركة فى المجتمع.
وبذلك يرتبط بناء الإنسان بتوفير الإمكانات وإزالة العوائق التى تحول دون ممارسة اختياراته الحقيقية.
التعليم.. بناء العقل وليس حفظ المعلومات
يمثل التعليم أحد الأسس الرئيسية للتنمية البشرية لأنه يتيح اكتساب المعرفة والمهارات اللازمة للعمل وفهم العالم واتخاذ القرارات.
لكن قيمة التعليم لا تقتصر على إعداد الفرد لسوق العمل، بل تشمل تنمية قدرته على التفكير النقدى والتعلم المستمر والتعامل مع المشكلات.
وتظهر أهمية ذلك مع التحولات التكنولوجية المتسارعة، التى تجعل تطوير المعرفة والمهارات ضرورة تتجاوز سنوات الدراسة التقليدية.
الحرية والمسئولية.. وجهان لبناء الإنسان
أكد تقرير التنمية البشرية الأول أن حرية الاختيار والحقوق الإنسانية واحترام الذات عناصر مهمة فى حياة الإنسان، إلى جانب الصحة والمعرفة والدخل.
وتعنى هذه الرؤية أن الإنسان ليس مجرد وسيلة لزيادة الإنتاج، وإنما صاحب حق فى المشاركة فى القرارات التى تؤثر فى حياته.
كما ترتبط القدرة على الاختيار بالمسئولية عن القرارات، وبوجود مؤسسات وفرص تتيح للأفراد ممارسة أدوارهم داخل المجتمع.
هل يمكن بناء مجتمع دون بناء الإنسان؟
تكشف فلسفة التنمية البشرية أن زيادة الثروة لا تؤدى تلقائيًا إلى تحسين حياة الجميع، إذا لم تتحول الموارد إلى تعليم جيد ورعاية صحية وفرص عادلة.
ومن هنا يصبح بناء الإنسان عملية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات والمجتمع، وتتطلب تنمية المعرفة والقدرات وتوفير بيئة تسمح باستخدامها.
وهكذا لا يقاس تقدم المجتمعات بما تمتلكه من موارد وحدها، وإنما أيضًا بقدرة أفرادها على التعلم والاختيار والمشاركة وصناعة مستقبلهم.


التعليقات