هل يحقق الإنسان كل ما يتمناه إذا بذل ما يكفى من الجهد؟ سؤال يتكرر فى كتب التنمية البشرية وخطابات التحفيز، التى تربط النجاح بالإرادة والمثابرة والعمل المتواصل، لكن الدراسات النفسية والاجتماعية تقدم صورة أكثر تعقيدًا، فالاجتهاد عامل مهم فى تحقيق الأهداف، لكنه لا يعمل بمعزل عن القدرات والموارد والفرص والظروف الاقتصادية والاجتماعية، وبين من يبدأ حياته بامتيازات كبيرة، ومن يواجه صعوبات منذ طفولته، يصبح السؤال عن العلاقة بين السعى والنجاح أكثر ارتباطًا بالواقع.
علم النفس.. لماذا لا تكفى قوة الإرادة؟
قدم عالما النفس إدوين لوك وجارى لاثام أبحاثًا مؤثرة عن تحديد الأهداف، واستعرضا نتائج 35 عامًا من الدراسات فى بحث نُشر عام 2002 بدورية «American Psychologist».
وأظهرت أبحاثهما أن الأهداف المحددة والصعبة نسبيًا يمكن أن تحسن الأداء مقارنة بالأهداف الغامضة، لكن فاعليتها تتأثر بعوامل منها القدرة على تنفيذ المهمة، والالتزام بالهدف، وتوافر الموارد، والحصول على معلومات تساعد فى تقييم التقدم.
وهكذا فإن بذل الجهد دون امتلاك المهارات أو الأدوات المناسبة قد لا يؤدى إلى النتيجة المطلوبة، مهما بلغت قوة الرغبة فى النجاح.
هل يولد الجميع بفرص متساوية؟
فى تقرير بعنوان «مصعد اجتماعى معطل؟ كيف نعزز الحراك الاجتماعى»، الصادر عام 2018، كشفت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أن الوضع الاقتصادى والاجتماعى للأسرة يؤثر فى فرص الأبناء التعليمية والمهنية.
وقدر التقرير أنه فى بلد نموذجى من بلدان المنظمة، قد يستغرق انتقال أبناء الأسر الموجودة ضمن أدنى 10% من توزيع الدخل إلى متوسط الدخل نحو أربعة إلى خمسة أجيال، وفق افتراضات النموذج المستخدم.
ولا تعنى هذه النتيجة استحالة النجاح الفردى، لكنها توضح أن نقطة البداية قد تؤثر بقوة فى فرص الصعود الاجتماعى.

التعليم والمال والعلاقات.. عوامل تصنع الفارق
توضح المنظمة أن أبناء الأسر الميسورة قد يستفيدون من مدارس أفضل، وقدرة أكبر على تحمل تكاليف التعليم، وشبكات علاقات تساعد على الانتقال إلى سوق العمل.
وفى المقابل، قد يواجه أبناء الأسر محدودة الدخل عقبات تتعلق بجودة التعليم والرعاية الصحية والموارد المالية.
ومن هنا يصبح قياس نجاح الأفراد بالجهد وحده حكمًا غير مكتمل، لأنه يتجاهل اختلاف الظروف التى يعملون داخلها.
متى يصبح تغيير الهدف نجاحًا؟
لا يعنى السعى الإصرار على الطريق نفسه إلى ما لا نهاية، فقد يكون تطوير المهارات أو تغيير الوسائل أو إعادة تقييم الهدف قرارًا أكثر فاعلية من تكرار المحاولات غير المجدية.
والفشل فى تحقيق هدف محدد لا يثبت بالضرورة غياب الجهد أو ضعف الإرادة، كما أن النجاح لا يعنى دائمًا أن صاحبه اجتهد أكثر من جميع الآخرين.
وبذلك تظل المثابرة عنصرًا مهمًا فى الإنجاز، لكن فهم النجاح يتطلب النظر إلى الإنسان والفرص المتاحة له معًا، لا إلى إرادته وحدها.


التعليقات