<< تجرعنا مرارة المجاعة القاسية لقرابة أسبوع كامل ولم نذق طعاما سوى جرعات من ماء مالح
<< الاحتلال اقتادنا إلى "حفرة الموت" وهناك وزعت كسيرات الخبز على الأطفال الجائعين
<< خسرت مكتبتي لكنني لم أخسر رسالتي وحولت هاتفي المحمول إلى دفتر للذاكرة في قلب الحرب
<< تمكنت من صياغة وإصدار كتبي دون توفر أدنى مقومات الحياة من ورق أو كهرباء
<< من بين الركام صدر كتابي "اتجاهات الرواية الفلسطينية" ثم "صورة الطفل في شعر الرواد" و"الطاحونة"، و"موت المثقف"
<< الأدب آخر ما تبقى لنا حين سقطت المدن واحترقت المكتبات وكتبنا تاريخنا فوق الركام حتى لا يكتبه الآخرون
<< النكبة الأشد إيلاما لقلوب الأمهات وقوفهن عاجزات أمام صراخ أطفالهن وسماع عويل الثكالى وهن يرقبن انهيار المنازل
<< أهوال الحرب في غزة وفظاعتها تجاوزت كل حدود الكتابة والخيال البشري
في الحروب ، تُهدم المدن أولا، ثم تبدأ الذاكرة معركتها الأصعب كي لا تُهدم معها، وبين الركام ، لا يبقى الأدب مجرد فن للكتابة، بل يتحول إلى وثيقة حياة، وشهادة إنسانية تحفظ ما قد تعجز الصور والأرقام عن نقله، فالكلمات التي تولد في قلب المأساة لا تُكتب بالحبر وحده، وإنما تُصاغ بالخوف، والجوع، والفقد، والحنين، والإصرار على البقاء.
من شمال غزة، وتحديدا من مدينة بيت حانون، إحدى أكثر المدن الفلسطينية تعرضا للدمار خلال الحرب، تخرج الأكاديمية والأديبة والناقدة الفلسطينية الدكتورة ميسون الشنباري لتروي حكاية لا تخصها وحدها، بل تمثل جزءا من الذاكرة الجمعية لشعب كامل وجد نفسه في مواجهة حرب قلبت تفاصيل الحياة رأسا على عقب، وحولت البيوت إلى أنقاض، والمكتبات إلى رماد، والجامعات إلى أطلال، بينما بقي الإنسان الفلسطيني يحمل قلمه كما يحمل حقه في الحياة.
لم تكن ميسون الشنباري مجرد شاهدة على الأحداث، بل عاشت تفاصيلها بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نزحت عشرات المرات، وفقدت مكتبتها الخاصة، وتعرضت حياتها الأكاديمية والإبداعية للتدمير، لكنها لم تتوقف عن الكتابة، ففي الوقت الذي كان فيه كثيرون يبحثون عن مأوى أو لقمة خبز، كانت هي تبحث أيضا عن الكلمات التي تحفظ ذاكرة المكان، وتوثق معاناة الإنسان، وتمنح الضحايا أسماء وحكايات، بدل أن يتحولوا إلى أرقام في نشرات الأخبار.
في هذا الحوار، تتحدث الدكتورة ميسون الشنباري بصفتها أكاديمية متخصصة في اللغة العربية، وناقدة أدبية، وكاتبة، لكنها أيضا تتحدث بصوت امرأة فلسطينية عاشت الحرب بكل قسوتها، وأمضت أياما بين القصف، والنزوح والجوع، والخوف وفقدان الأمن، وهي تحاول حماية أسرتها والحفاظ على ما تبقى من إنسانيتها، كما تكشف كيف تحولت الكتابة بالنسبة إليها من فعل إبداعي إلى مقاومة، وكيف أصبحت اللغة حصنا أخيرا لحماية الذاكرة الفلسطينية من النسيان، والأدب وثيقة تاريخية تحفظ ما لا تستطيع التقارير الدولية والإحصاءات المجردة أن ترويه.
وتستعيد كذلك ملامح بيت حانون كما عرفتها قبل الحرب، مدينة هادئة تحتضن حقولها وبياراتها وأهلها، ثم تصف كيف تحولت إلى مدينة منكوبة غابت عنها ملامح الحياة، كما تتحدث عن فقدان مكتبتها التي كانت تمثل سنوات طويلة من البحث والعلم، وأصعب لحظات النزوح والجوع ومشاهدة الدمار، وإيمانها بأن الثقافة لا تُهزم مهما اشتدت الحروب، والكلمة الصادقة تبقى أقوى من محاولات طمس الهوية ومحو الذاكرة.
الحوار مع ميسون الشنباري، يتجاوز حدود السيرة الشخصية، ليصبح شهادة أدبية وإنسانية على مرحلة استثنائية من تاريخ غزة، وقدرة الإنسان على التشبث بالمعرفة حتى في أقسى الظروف، وعلى أن الكاتب، حين تضيق الحياة، لا يتخلى عن رسالته، بل يكتب أكثر، لأن الكتابة تصبح آنذاك دفاعا عن الحقيقة، وحفظا للذاكرة، وانتصارا للإنسان.. وإلى نص الحوار:
كيف كان تأثير الحرب عليكِ وعلى عائلتكِ؟
لم أكن أتصور يوما أن يُسلخ الإنسان من ذاته أو يُنزع من وطنه الذي نشأ وترعرع فيه، فهو يعرف المكان بدقائق تفاصيله والمكان يعرفه بالمثل، لقد غدا كل شيء غريبا، واستحالت حياتنا إلى عيش لا يشبه الحياة في شيء، إنها لحظات يعجز اللسان عن احتوائها، ويضيق الصدر المثقل عن تحملها، لقد تركت هذه الحرب أثرا جوهريا وعميقا في ثنايا أرواحنا التي تمزقت أشلاء جراء حرب التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وتجرعنا غصص الخوف، والرعب، والقلق، وفقدان الأمن والأمان بين اللحظة والأخرى، وكان كل همنا ينحصر في النجاة والبحث عن ملاذ أكثر أمنا، بيد أنه لا وجود لمكان آمن في غزة قاطبة.
كيف عملتِ على حماية عائلتك؟
كنت جاهدة أحاول حماية عائلتي بكل ما أوتيت من سبل، للنأي بهم عن مناطق النزاع والخطوط التي تقع تحت مرمى نيران الاحتلال، بيد أن عقيدة الاحتلال واحدة لا تتغير، وهي إبادة الفلسطيني أينما حل وارتحل، ولعل خير ما يصف حالنا في غزة، هو حال عصفور أُلقي في مقلاة ملتهبة، فلا هو بقادر على الطيران لينجو، ولا بالميت ليستريح.
كيف تصفين حياتك في بيت حانون قبل الحرب وهل تغيرت تفاصيلها اليوم؟
كانت مدينة بيت حانون مدينة وادعة، هادئة، يسكنها الاطمئنان، وتزدان ببياراتها وحاراتها الآمنة، ويقطنها أهلوها الطيبون، وتنبسط فيها السهول والحقول الخضراء، وعرفت تاريخيا بأنها سلة غزة الغذائية، لما تجود به من حمضيات ومزروعات موسمية وفيرة، ولكن وأسفاه، فقد نالت منها يد المحتل الغاشم فتحولت إلى مدينة أشباح خاوية على عروشها، وبلدة مدمرة تلوح فيها معالم الموت، كانت صباحاتها الغابرة مبللة بندى الحقول، وتغريد العصافير، وأصوات الجيران التي تبث الألفة والدفء في أرجاء المكان، بينما تعبق الرائحة الزكية للكعك المتجول لتعلن بزوغ الصباحات الأولى، تحت أشعة الشمس الساطعة وهي تتسلل بشغف لتلفح وجوهنا برفق، واليوم، حينما أستحضر بيت حانون، فإنني أستعيدها بذاكرة أثقلها كاهل النزوح وعضّها الألم، فلا أستذكر البيوت، والشوارع، والحارات، والأزقة فحسب، بل أسترجع ذلك الشعور الوارف بالسكينة التي كانت تدثرنا، وراحة البال التي حُرمنا منها، وحال الناس وهم منشغلون بمصائرهم وأعمالهم اليومية.
هل أثرت الحرب على إبداعاتك الأدبية وعطلت جهودك؟
بلا ريب، كان للحرب أثر بليغ وسيء على نتاجي الأدبي وإبداعاتي، وعطلت مسيرتي وجهودي تعطيلا كبيرا، فقبل هذه الفاجعة، كنت محاضرة أكاديمية في الجامعات الفلسطينية، أمارس حياتي المهنية واليومية بشكل طبيعي ومستقر، حيث تتوفر مصادر الطاقة والكهرباء وشبكة الإنترنت، وتضمني مكتبة خاصة عامرة بالكتب، وإنني كلما تناهى إلى مسامعي صدى ذكر هذه المكتبة، يعتصر قلبي ألم وحسرة، وتترقرق الدموع في عيني وهي ترنو إلى الأفق البعيد، على أمل أن نطأ أرض بيت حانون مجددا يوما ما، لقد سُلب ودُمر ذلك الإرث كله جراء القصف، إذ استهدف الاحتلال كتبي وجهازي المحمول وطمس معالم جهودي، غير أن ما نجا بحمد الله هو ثلة من الكتب التي استمت في الحفاظ عليها وحملتها معي متنقلة من مخيم إلى آخر، طوال محطات نزوحنا البالغة 33 محطة، ومع هذا الكرب، فإن هذه الحرب الضروس منحت كتاباتي بعدا أكثر عمقا وأشد صدقا.
أحكي لنا عن شعورك عندما استهداف الاحتلال الغالبية العظمى من مقتنياتك الإبداعية؟
كان فقدان مقتنياتي الثقافية غصة تدمي القلب، إذ خسرت كتبي، وأوراقي، ومخطوطاتي، ومقتنياتي الخاصة التي ارتبطت بها وجدانا وعقلا لسنوات طوال من الكدح الأكاديمي والذكريات العزيزة، لقد كان هذا الفقد مأساويا وموجعا للغاية، كونها تمثل شطرا من مسيرتي الفكرية وجزءا لا يتجزأ من حياتي العلمية والعملية، فالكتب بنظر الكاتب والمثقف هي ترياق الحياة الذي يستنشق عبره الوجود، والعملية الثقافية والكتابة هما منهل التنوير البشري الذي يعين الإنسان على الثبات، والتمسك بمبادئه وقيمه وأخلاقه، لاسيما في ظل حرب غاشمة لم ترحم شيخا ولا طفلا.
ما أول مشهد أو لحظة شعرتِ فيها أن حياتك لن تعود كما كانت؟
لن أحدثك عن اليوم الأول، السابع من أكتوبر حين اندلعت الحرب، بل سأحدثك عن لحظة انقشاع الغمام في العودة الأولى إلى بيت حانون، وتحديدا بعد مرور شهر ونصف تقريبا، في نوفمبر من عام 2023، حينما تم الإعلان عن هدنة هشة لم تدم سوى أربعة أو خمسة أيام، كنت حينها أتنقل نازحة بين بيت لاهيا، ومخيم جباليا، ومشروع بيت لاهيا، ومستشفيي كمال عدوان والإندونيسي، وعندما وطئت قدماي أرض بيت حانون، هالني حجم الدمار والقتل الهائل، وتخريب البنية التحتية، واجتثاث الأشجار وتدمير الحقول، إذ إن الاحتلال عاث في الأرض فسادا ولم يذر شيئا قائما في شمال غزة، وكان المشهد الأقسى هو تمدد أشلاء الشهداء على قوارع الطرقات، والكلاب تنهش من جثامينهم الطاهرة، في تلك اللحظة الرهيبة، تملكنا اليأس وداهمنا شعور موحش بأن الحياة لن تعود أبدا إلى سابق عهدها قبل الحرب، كان ذلك الموقف من أشد اللحظات عنفا وقسوة وأنا أراقب من فوق تلة المستشفى الإندونيسي الكاشفة لبلدتنا، كيف تحول كل ذلك الوجود ركاما وهشيما تذروه الرياح، وتنبعث من بين ثناياه رائحة الموت لِتصيب كل حي.
كيف عشتِ الأيام الأولى للحرب داخل بيت حانون؟
كانت الأيام الأولى التي قضيناها في ربوع بيت حانون محفوفة بالقلق البالغ، ومثقلة بالخوف، وممتزجة بأصوات الانفجارات والقصف العنيف الذي لا يهدأ، وسط محاولات مستميتة منا للتشبث بأهداب الحياة اليومية وتفاصيلها المتاحة، لك أن تتخيل النقلة المروعة من العيش في رغد بيت مرفه شيدته بعرق جبينك ليكون مستقرا لك وفيه كل أمانيك، وفجأة تجد نفسك مطرودا لتفترش الشارع أو تلتحف خيمة في الهاوية، لقد انقلبت حياتنا رأسا على عقب بمقدار 180 درجة، وغدونا نفتقد الأمن والسكينة على أنفسنا، وأبنائنا، وأزواجنا.
ما أصعب المواقف الإنسانية التي مررتِ بها شخصيا خلال هذه الحرب؟
لن أنسى ذلك اليوم العصيب والمشهود، حينما أجبر جنود الاحتلال كل صامد وثابت وموجع، وكل من ربط على بطنه حجرا من شدة الجوع والقهر، على الخروج عنوة، كنا قد تجرعنا مرارة المجاعة القاسية لعدة أيام، بل لقرابة أسبوع كامل، لم نذق فيه طعاما سوى جرعات من ماء مالح لنبقي على رمق الحياة، خرجنا مجبرين ومررنا بمحيط مستشفى كمال عدوان وصولا إلى دوار أنصار، وهناك فوجئنا بحشد هائل يضم أكثر من 20 ألف إنسان، من نساء، وكبار سن، وشباب، وأطفال صغار، وعند وصولنا إلى منطقة الشيخ زايد حيث مجمع المدارس، تم فصل الرجال عن النساء بوحشية، ولم يرحموا شيخا طاعنا في السن، كنت حينها أرتجف خوفا على عائلتي، إذ كانت برفقتي والدة زوجي وهي امرأة مقعدة لا تقوى على السير، فضلا عن وجود نساء حوامل، ومرضعات، وأطفال من ذوي الإعاقة، ومرضى يئنون، تحت حصار خانق من الدبابات، وطائرات الكواد كابتر، والجرافات العسكرية، وحينها نادى الجندي الصهيوني عبر مكبر الصوت بغطرسة قائلا: "انظروا إلى جباليا وبيت حانون، لن تعودوا إلى هذه الديار، وإن عدتم فلن تجدوها إلا رمالا قاحلة كالصحراء".
كيف فعلتِ بعد ما قاله الجندي الإسرائيلي؟
خرجنا مطأطئي الرؤوس، وأشار إلينا الجندي بالانعطاف يمينا، لنجد أنفسنا أمام حفرة رملية عظيمة محاطة بالسواتر الترابية والجنود المدججين بالسلاح الذين يطلقون الرصاص بين الفينة والأخرى، لقد كانت حقا حفرة الموت، مكثنا فيها تحت وطأة التنكيل والظلم والجوع، وكنت قد احتفظت بكسيرات صغيرة من الخبز وزعتها على الأطفال والصبية الصغار في قاع الحفرة، وسط عويل النساء وإغماء بعضهن من شدة الهلع والوجع، لقد أصبح الهم الأوحد للمرء هو كيف يحمل طفله أو يتكأ عليه كبير السن لينجو بجسده من ذلك المهلك.
كيف أثرت تجربة النزوح أو البقاء تحت القصف على حياتك وأسرتك؟
لقد تجرعنا في هذه الحرب كؤوس التشرد والتيه، وغدت رائحة الموت رفيقة دربنا في كل زاوية، حتى إننا أشرفنا على الهلاك المحقق واجهناه عيانا ما يربو على عشر مرات، فنحن لم نرقب الموت من بعيد بل خبرناه، وعايشناه، واشتبكنا مع براثنه، وكُتبت لنا النجاة لنكون شهودا على هذه الحرب الطاحنة، لقد نزحت كما ذكرت 33 مرة في أرجاء شمال القطاع، وأخذت عهدا على نفسي ألا أغادر الشمال طيلة هذه المأساة، لك أن تتصور مشهد الركض والهروب الجماعي برفقة زوجي وأبنائي وعائلتي في الشوارع، بحثا عن أمن مفقود وأمان عز مطلبه، كما عشنا حصارا خانقا وقاسيا في بيت حانون، بلغ بنا فيه الجوع مبلغا جعلنا نأكل ورق الشجر، ونقتات على نبات الحمصيص البري والخبيزة لنقوى على الصمود في وجه هذه الحرب الماحقة.
كيف تنظر الأديبة ميسون الشنباري إلى الحرب بعين الكاتبة وليس فقط بعين الضحية؟
إن هذا التمايز ليس بالأمر الهين، فالأديب أو الناقد هو ابن بيئته ووليد معاناتها في نهاية المطاف، ومن هنا، لم أعد أرقب التجربة بعين المراقب الخارجي، بل انبريت لإعادة كتابتها من رصيد المعايشة الداخلية، فأنا من تذوق تفاصيل الحرب بكل حيثياتها، وآلامها، وفواجعها، وفي كل محطة من محطاتها، لقد أضحى الأديب هو البطل الحقيقي والراوي الذاتي الذي يسطر مأساة قومه في رواياته وكتاباته، مما يضفي على النص الصدق والعمق والوجع، حيث تحول الفصل بين النص والذات الإنسانية للكاتب، ورغم صدمة الانتقال من قاعات المحاضرات الجامعية الراقية وبين دفتي الكتب إلى حياة بدائية يملؤها البحث المضني عن الماء والقوت والأمان، إلا أنني أيقنت أن قيمة الإنسان لا يحددها حيزه الجغرافي، بل تتجلى في قدرته على الذود عن وعيه، ومبادئه، وكرامته، ومن هذا المنطلق، تعاملت مع المحنة كاختبار حقيقي للقيم والمعارف التي ناديت بها طوال حياتي، وغدت المعرفة والكتابة والعلم في نظري أفعال مقاومة أصيلة، ولم تعد القراءة ترفا فكريا بل محاولة مستميتة للحفاظ على آدميتنا ووجودنا وسط الخراب.
هل استطعتِ الكتابة خلال الحرب أم أن هول الأحداث كان أكبر من قدرة الكلمات؟
بالتأكيد، لقد تسنى لي الكتابة رغما عن هول الأحداث التي فاقت في كثير من الأحيان طاقة الوصف والبيان، وتمكنت وسط هذه المقتلة والدمار، وفي ظل انعدام الورق، والكهرباء، والإنترنت، من تدوين الخواطر والمواقف عبر هاتفي المحمول، فأثمر هذا الصمود الثقافي عن إصدار كتاب نقدي بعنوان "اتجاهات الرواية الفلسطينية"، والذي حظي بالمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، تلاه كتاب نقدي ثان بعنوان "صورة الطفل في شعر الرواد"، بالإضافة إلى صياغة جملة من القصص الأدبية مثل قصة "الطاحونة"، وقصة "موت المثقف"، إلى جانب العديد من المقالات، والباعث على الكتابة في هذه الظروف هو إيماننا الراسخ بأنه لا يحق للأديب أو الكاتب أن يقف موقف المتفرج السلبي وإن كان يكابد الجوع ويعاني الويلات، إذ يقع على عاتقه هم رسائل أكبر اتجاه القارئ والمجتمع، يفرض عليه الحفاظ على توازنه الفكري ليكون سراجا هاديا ينير الدروب المظلمة لمن حوله.
ما النص أو القصيدة أو الخاطرة التي تشعرين أنها عبرت عن تجربتك خلال العدوان؟
لطالما استحضرت في وجداني قصائد ثلة من فحول الشعراء، إذ تحضرني دائما أبيات للشاعر نزار قباني وهو ينشد متوجعا: "مرحباً يا عراق جئت أغنيك وبعض من الغناء بكاء"، لاسيما مقطعه القائل: لم نزل نمصمص قشرا وفلسطين خضبتها الدماء الفدائي وحده يكتب الشعرا وكل الذي كتبناه هراء لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء يا فلسطين لا تنادي الرجالا لم يبق إلا النساء لبلادي شعري فلست أبالي رفضته أم باركته السماء كما تلازمني رائعة شاعر الثورة والوطن محمود درويش: "أيها المارون بين الكلمات العابرة، اجمعوا أسماءكم وانصرفوا"، ومقطوعته الخالدة: "كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين، سيدتي أستحق لأنك سيدتي أستحق الحياة"، إن هذا المخزون الثقافي والشعري يمثل معينا لا ينضب، يستند إليه الكاتب ويستمد منه أسباب القوة والجلد لمواجهة غطرسة الحرب.
كيف تغيرت موضوعاتك الأدبية بعد الحرب؟
من البديهي والمنطقي أن يطال التغيير الثيمات والموضوعات الأدبية تيعا للمتغيرات الوجودية، إذ لم تعد الكتابة ترفا إبداعيا يُطلب لذاته، بل أصبحت وثيقة حية تحفظ ذاكرة الشعب الفلسطيني من الطمس والاندثار في وجه كيان يعيث قتلا وتدميرا ويسعى جادا لمحو الهوية الوطنية، وأضحت الكتابة مريرة، لأنها تنبثق مباشرة من جوف المعاناة ووحي الوجع والألم، وصار الكاتب شاهدا عيانيا يعيد صياغة الأحداث التي عاشها بدمه وتفاصيل حياته ولم يسمع بها سماعا.
هل تعتقدين أن الأدب قادر على توثيق ما تعجز عنه التقارير والأرقام؟
نعم، إن الأدب يملك القدرة الفائقة على توثيق المعاني والروابط الإنسانية التي تعجز الأرقام الصماء والتقارير الجافة عن إدراكها أو إبرازها، فالكتابة في جوهرها تغدو شهادة عينية وتاريخية صادقة، والكلمات لا تقف عند حدود رصد المعاناة وسرد الوقائع، بل تتحول اللغة إلى وعاء مقدس يصون الذاكرة الجمعية ويمنح العذاب دلالات أعمق، لتظل تلك الشهادة حية ونابضة تتوارثها الأجيال القادمة.
بصفتك دكتورة في اللغة العربية.. كيف ترين دور اللغة في حفظ الذاكرة الفلسطينية؟
تتجلى اللغة العربية في هذه المعركة بوصفها الوعاء الحضاري والمعين الثري الذي لا ينضب، والذي عُهد إليه بحفظ التاريخ، والهوية، والتجربة الإنسانية للشعب الفلسطيني على مر العصور، وهنا يستحضرني الأثر المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: "تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة"، إن لغتنا الشريفة هي التي تنقل الحكايات والملامح، سواء عبر الرواية الشفهية أو المكتوبة، فتحمل تفاصيل أمثالنا الشعبية، وأغانينا التراثية، وأهازيجنا، ومذكراتنا التي توثق ملامح الحياة الفلسطينية إبان النكبة الأولى وما تلاها، وصولا إلى النكبة الحالية في عام 2023، بالإضافة إلى ذلك، فإن اللغة العربية تسهم بحيوية في تخليد أسماء القرى والمدن والحواضر الفلسطينية، فتحميها من عاديات النسيان والمحو، وتثبتها في الذاكرة الجمعية، وتصون الرواية الوطنية من التشويه والتحريف المتعمد الذي يمارسه الاحتلال الصهيوني.
هل تشعرين أن المفردات العربية قادرة على وصف حجم الألم الذي عاشه أهل غزة؟
إن اللغة العربية بما حباها الله من سعة اللفظ، وثراء المفردات، والاتساع البلاغي، قادرة على رصد تفاصيل المعاناة اليومية وتوثيق أحوال أهل غزة، بيد أننا في بعض المحطات ندرك أن فظاعة المأساة وقسوتها قد تتجاوزان حدود الكلمات والطاقة الاستيعابية للغة، إذ تصبح التجربة الإنسانية الواقعية أكبر من أن تحيط بها المفردات إحاطة تامة، وفي هذه الحالة، يعمد الأدباء والكتاب إلى أساليب الانزياح الدلالي، والاتكاء على الاستعارات البيانية، والصور الشعرية البليغة، والسرد التفصيلي الدقيق، محاولةً منهم لنقل هذا الكم الهائل من المعاناة التي يكابدها الإنسان في غزة كما صاغها الشاعر محمود درويش في بحثه عن أدوات لغوية تحوي التجربة الإنسانية العميقة.
ما الكلمات أو المصطلحات التي فرضتها الحرب على الحياة اليومية للفلسطينيين؟
لقد أحدثت الحرب تبدلا دلاليا واسعا في قاموسنا اللغوي اليومي، فالمفردات التي كانت تتداول قبل العدوان اكتسبت دلالات جديدة ومعان مغايرة مشحونة بالوجع والتجربة، على سبيل المثال، فإن كلمة البيت انسلخت من معناها المادي المألوف لتكون مرادفا للمأوى المفقود والحنين العميق، وغدت كلمة الحرب أو ألفاظ الصمود تحمل في طياتها تطلعات كالعودة، والأمان، والمستقبل، والغد، كما برزت وفرضت مصطلحات عسكرية وواقعية مريرة تتردد على الألسنة صباح مساء، مثل النزوح القسري، التطهير العرقي، الإبادة الجماعية، طائرات الكواد كابتر، الجرافات، حفرة الموت، والمجاعة.
كيف أثرت الحرب على العملية التعليمية والجامعات وطلاب اللغة العربية؟
لقد كان وقع الحرب مدمرا وقاسيا على المنظومة التعليمية برمتها، وأصاب المشاريع الثقافية والأكاديمية في مقتل، إذ دُمرت الصروح الجامعية وتوقفت العجلة التعليمية تماما، لقد أُجبرت وأنا المحاضرة الأكاديمية التي كان يومها حافلا بالكتب ومناقشة الطلاب داخل قاعات المحاضرات الجامعية، على الانتقال قسرا إلى حياة بدائية قاسية، محورها الأوحد هو الصراع من أجل البقاء والبحث عن كسرة خبز أو جرعة ماء نقي وعن الأمن المفقود، وحُرم طلاب اللغة العربية والباحثون من محاضريهم ومراجعهم ومكتباتهم، وأصبح هاجس الجميع هو النجاة من مقصلة الموت، وإن كانت لغتنا العربية وثراؤها هما السند الحقيقي لنا في إيصال صوتنا ومظلوميتنا الأكاديمية إلى العالم في ظل هذه الإبادة.
ما الرسالة التي يحملها المثقف والأكاديمي الفلسطيني في هذه المرحلة؟
المثقف والأكاديمي الفلسطيني في هذه المرحلة المفصلية لم يعد مجرد راصد للأحداث أو ناقل للمعاناة من بعيد، بل أضحى شاهدا حيا يكتوي بنار الألم ويحمل لواء الذاكرة والهوية الوطنية الفلسطينية، رسالتنا تتلخص في توثيق هذه الذاكرة وحمايتها من التزييف وطمس معالم التطهير العرقي، كما أن الرسالة الكبرى هي إدراك أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تقاس بالظرف المكاني المحيط به، بل بمدى ثباته على مبادئه، وصون وعيه وكرامته الإنسانية في أحلك الظروف، إننا نرى العلم، والمعرفة، والفكر، والكتابة في هذه المرحلة بوصفها أفعال مقاومة حقيقية وأدوات نضالية داحضة للاحتلال.
بيت حانون كانت من أكثر المناطق تضررا.. كيف تصفين ما جرى للمدينة؟
تعرضت المدينة لعدوان همجي من محتل غاشم، تعمد تحويلها إلى مدينة أشباح موحشة، وركام دمار تذروه الرياح، حتى بات قادة الاحتلال يتبجحون في خطاباتهم مهددين بإبادة المدن الأخرى وجعلها كمدينة بيت حانون، تخيل أن تتحول مدينة آمنة، مطمئنة مفعمة بالحياة إلى خراب بفعل آلة الحرب الصهيونية، وعند عودتنا إليها، وجدنا تخريبا كاملا للبنية التحتية، واقتلاعا ممنهجا للأشجار المثمرة، وسهولا محروقة، ناهيك عن الأشلاء المتناثرة للشهداء على الطرقات في ظل روائح الموت المنبعثة من تحت الأنقاض والتي أصابت كل ركن من أركان المدينة.
ماذا بقي من الأماكن التي ارتبطت بذكرياتك الشخصية والإنسانية؟
وأسفاه، لم يتبق من تلك الأماكن الحبيبة سوى الركام والرماد الذابل، إذ أن هذه الحرب التي نعتبرها بحق "أم النكبات" قد انتزعت الفلسطيني من روحه وثنايا ذاته، وأصبح كل شيء غريبا، وتحولت معالم الصبا والذكريات إلى هباء وهشيم تذروه الرياح، وسُحقت الشوارع والبيوت والحارات التي شهدت ولادة أحلامنا، وعلاقتنا باللغة والكتاب وأهلينا، ولم نجد عند العودة سوى رائحة الموت والخراب الممتد، مما جعلنا في بعض اللحظات نكابد وطأة فقدان الأمل في استعادة ما كنا عليه قبل السابع من أكتوبر.
كيف أثرت مشاهد الدمار على علاقتك بالمكان؟
على الرغم من أن مشاهد الخراب والدمار هائلة وتفوق قدرة النفس على الاحتمال، وبعثت في قلوبنا غصة وألما شديدين، إلا أنها لم تزدنا إلا تشبثا وتعلقا بهذه الأرض، فإيماني راسخ بأن الأرض تعرف أصحابها الحقيقيين، وإن كنا اليوم نستعيد بيت حانون بذاكرة أثقلها النزوح، فإننا نتطلع بشوق جارف يفوق شوق أجدادنا عام 48 لمدن حيفا ويافا وعكا، لنعود إلى حواضرنا ونلملم أوجاعنا وجراحنا لكي نعيد بناء مدينتنا ونعمرها لتغدو أبهى وأفضل مما كانت عليه بإذن الله.
هل هناك موقف من سكان بيت حانون لا يزال عالقا في ذاكرتك حتى اليوم؟
المواقف العالقة في ذهني هي صور ذلك الصمود الأسطوري والثبات المعجز لأهالي بيت حانون الذين رفضوا مغادرة ديارهم إبان الحصار الأول، إذ عشنا أياما قاسية تجرعنا فيها مرارة الجوع والمجاعة، ولم نجد ما نسد به رمقنا، فداوينا جوعنا بأكل ورق الشجر ونبات "الحمصيص" البري، ومشهد التفاف الأهالي وصمودهم ورابطة بطونهم من الجوع والقهر، ومواجهتهم لآلة البطش بصدور عارية، مواقف بطولية مأساوية ستبقى محفورة في وجدان الذاكرة الفلسطينية ما حييت.
كيف يحاول الأهالي التمسك بالحياة رغم كل ما فقدوه؟
يحاول الأهالي التمسك بالحياة عبر لملمة شتات ذواتهم وحروفهم لتكون حكاياتهم المكتوبة بالدم والوجع شاهدة على صمودهم، ويتجلى هذا التمسك في إصرارنا على الإنتاج والإبداع وسط المقصلة والمقتلة، إذ تمكنت من صياغة وإصدار كتبي دون توفر أدنى مقومات الحياة من ورق أو كهرباء، كما بدأنا في ابتكار أساليب البقاء لمواجهة غول المجاعة، عبر شوربة الماء والملح أو كسرات الخبز اليابس التي كنا نوزعها على الصبية والأطفال في أحلك الظروف، مبتهلين إلى الله أن يحمل الغد ملامح حياة أفضل تعود بها غزة إلى سالف عهدها.
كيف عاشت المرأة الفلسطينية أعباء الحرب في غزة؟
حملت المرأة الفلسطينية في غزة كاهلا من الأعباء والهموم يهد الرواسي، إذ وجدت نفسها في عين العاصفة مسؤولة عن حماية أسرتها وتدبير شؤون عائلتها في ظل انعدام الأمن والقوت، وتجرعت النساء صنوف الخوف والوجع، وكان عليها رعاية الأطفال، والحوامل، والمرضعات، والمرضى، فضلا عن ذوي الإعاقة وكبار السن المقعدين كحال والدة زوجي المقعدة التي كانت برفقتي، وكابدت النساء أهوال الهروب والنزوح، وحالات الإغماء والبكاء الشديد جراء الهلع وفقدان المأوى، وعجزن في كثير من الأحيان عن حمل أمتعتهن وحقائبهن من شدة الفزع، فأضحى الهم الأوحد للمرأة هو النجاة بأطفالها أو حمل مريضها للخروج من ويلات حفر الموت والدمار.
ما أكثر ما يؤلم الأمهات الفلسطينيات في ظل استمرار الحرب؟
النكبة الأشد إيلاما لقلوب الأمهات هي وقوفهن عاجزات أمام صراخ أطفالهن وهلعهم، وسماع عويل الثكالى وهن يرقبن انهيار المنازل وتداعيها فوق الرؤوس بفعل قذائف الاحتلال وصواريخه، ويفتت كبد الأم أن ترى فلذات كبدها يتضورون جوعا جراء المجاعة الخانقة، فلا تجد ما تسد به رمقهم سوى كسرات خبز شحيحة أو شوربة ماء وملح، ناهيك عن ألم النزوح والركض المضني بالأطفال والرضع وذوي الإعاقة في شوارع محفوفة بالقصف والموت من كل جانب.
كيف تنظرين إلى معاناة النساء اللواتي فقدن أبناءهن أو أزواجهن أو منازلهن؟
أنظر إلى معاناتهن بوصفها فاجعة إنسانية كبرى تفوق الوصف ويتصدع لها الوجدان، لقد قلبت هذه الحرب تفاصيل حياتهن رأسا على عقب، مشهد النساء الثكالى والأرامل وهن يهربن من وطأة الموت، ويصرخن لوعات الفقد والحسرة عند تداعي بيوتهن بفعل الصواريخ، يمثل ذروة القهر البشري في ظل هذه الحرب التي انتزعت الفلسطيني من روحه وأعماقه، لتغدو أم النكبات والمصائب التي حلت بالمرأة الفلسطينية.
هل تعتقدين أن العالم نقل الصورة الحقيقية لمعاناة المرأة الفلسطينية؟
أهوال الحرب في غزة وفظاعتها قد تجاوزت كل حدود الكتابة والخيال البشري، ولولا هذا الخيال لما استطعنا الصمود والنجاة في عوالمنا الداخلية، والمأساة الإنسانية التي تكابدها المرأة الفلسطينية تتخطى وتتجاوز حدود الكلمات وطاقة اللغات مهما اتسعت عوالم البيان، فالتجربة الإنسانية هنا أشد قسوة وأكبر من أن تحاط بها المفردات إحاطة تامة، حيث تجرعت النساء قمة الظلم والامتهان والجوع الخانق في مشاهد مأساوية وحفر للموت يندى لها جبين الإنسانية، وهي وقائع تظل عصية على النقل الكامل لعمق وجعها.
كيف يمكن للأدب أن يحفظ ذاكرة الضحايا والأماكن التي دمرتها الحرب؟
يمكن للأدب تحقيق ذلك من خلال التوثيق الصادق والنابع من وحي المعايشة والمشاهدة الحية، لنرصد للعالم تفاصيل حرب عام 2023 وما تشهده من تطهير عرقي وإبادة جماعية للشعب الفلسطيني الأعزل، فالكلمات والمصطلحات في العمل الأدبي لا تقف عند حدود نقل المعاناة أو سرد الوقائع، بل تتحول اللغة إلى وعاء أصيل يصون الذاكرة من عاديات الزمن، ويمنح الألم دلالات ومعانٍ أكبر، لتبقى شهادة حية ووثيقة تاريخية راسخة تقرؤها الأجيال القادمة لتستلهم منها فصول المعركة.
ما الذي تخشين أن ينساه العالم عن غزة بعد توقف القصف؟
الهاجس الأكبر والمخاوف تكمن في محاولات المحو والنسيان، وطمس معالم الهوية الفلسطينية، وتشويه الرواية الوطنية الفلسطينية، وهو الأمر الذي يسعى إليه الاحتلال الصهيوني جادا وعامدا من خلال آلته التدميرية، لذا، نرى أن الكتابة والتوثيق هما خط الدفاع الأول لإبقاء ذاكرة الشعب حية ونابضة، وشهادة باقية تكشف للعالم حقيقة هذا الكيان الذي عاث قتلا وإبادة وتدميرا.
لو طُلب منكِ تلخيص تجربة الحرب في جملة واحدة.. ماذا ستقولين؟
سأقول إننا لا نزال نجرع الويلات تحت وطأة حرب مجنونة في غزة، لم ترحم صغيرا ولا كبيرا، ولم تبقِ ولم تذر، إنها تجربة مريرة بكل تفاصيلها، وأم المصائب والنكبات التي انتزعت الفلسطيني من روحه وأعماقه.
ما الرسالة التي توجهينها إلى المثقفين والكتاب العرب؟
رسالتي تفرض على الكاتب والأديب العربي ألا يقف موقف المتفرج السلبي المحايد تجاه قضايا أمته، وإن كان يعاني ويكابد شظف العيش، فالمثقف الحقيقي يحمل على عاتقه هما رساليا وتنويرا مجتمعيا، يوجب عليه الحفاظ على توازنه الفكري ليكون مشعلا ونورا يضيء عتمة الدرب لمن حوله، ولا يفوتني هنا أن أوجه التحية لمصر الشقيقة، الجارة والأم الحانية التي تحتضن على الدوام قضايا وإبداعات الشعب الفلسطيني.
ماذا تقولين للمؤسسات الثقافية الدولية بشأن ما تعرض له المثقفون والطلبة في غزة؟
أقول لهم إن الحرب الهمجية قد أصابت المنظومة الثقافية والأكاديمية في مقتل، وعطلت دورتها تماما جراء تدمير الجامعات، وحرق الكتب، وإبادة الحواضر المعرفية، واستسهال قتل العلماء والمثقفين والطلبة، والأدب والكتابة في غزة أصبحا أفعال مقاومة حقيقية، ولم تعد القراءة ترفا فكريا، بل محاولة مستميتة للحفاظ على إنسانيتنا وكياننا وسط هذا الخراب العارم، وعلى المؤسسات الدولية أن تدرك حجم جريمة التطهير العرقي والثقافي المستهدفة للهوية الفلسطينية.
أخيرا.. ماذا تريد ميسون الشنباري أن يقرأ العالم عن غزة بعد سنوات من الآن؟
أريد أن يقرأ العالم حكاياتنا وقصصنا التي سطرناها بدمائنا، وتصلب عروقنا، وصمود أجسادنا في وجه الموت والنزوح والمجاعة، لنكون شهودا صادقين على فظاعة هذه الحرب الطاحنة، أريدهم أن يعلموا أن كلماتنا لم تكن لمجرد الوصف، بل غدت وعاء تاريخيا يمنح عذاباتنا دلالات كبرى، وأننا رغم الخراب وأكوام الرماد تمسكنا بعبارة شاعرنا الراحل محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، نعم، على هذه الأرض ما يستحق الحياة.


التعليقات